سبعة الآف سنة من الحضارات ، بعجائبها السبع او العشر ، وبفلاسفتها وفنانينها وقوانينها منذ حمورابي وابو قراط وسقراط ، وملايين الكتب والمخطوطات ، ولوحات تغطي جدران المتاحف ، ومنذ المعابد الاولى حتى مساجد وكنائس هذا الزمان. وقد نحتاج الى سرد قائمة بمنجزات البشر من طراز تلك التي شغلت سبعة عشر مجلدا هي قصة الحضارة كما رواها ويل ديورانت.
كل ذلك لم يكن حائلا اخلاقيا او معرفيا او دينيا دون ان يطلب متعصب في عصرنا من زميله ألا يطلق النار على رأس الضحية وان يكتفي بتحويل ما تبقى من جسدها الى غربال لسبب واحد فقط هو انه يريد سرقة القبعة التي تغطي رأس الهدف.
ما من نبوءة سوداء.. عن ديستوبيا بشرية او مدينة راذلة توقع اصحابها ان يأتي يوم كهذا تصبح فيه القبعة اهم واغلى من الرأس والحذاء اهم واثمن من القدم واخيرا تصبح الحياة كلها مجرد جملة معترضة بين قبرين جماعيين،
من شاهد ذلك الذئب المتخفي بهيئة انسان وهو يطلق النار على رجل ميت واستطاع ان ينام بلا كوابيس فهو من سلالة اخطأتها الكتب وسقطت سهوا من التاريخ،
ان ما يستحق البحث الان للاجابة عن سؤال بسعة الكون هو اية تربويات واية ثقافة تلك التي اباحت واتاحت لانسان ان يفعل هذا ، باعصاب باردة ودون ان يرمش،،؟
علينا بعد الان ان ننبش كتب التاريخ سطرا سطرا لعلنا نعثر على ما حذفه المؤرخون المأجورون. فالبشرية على ما يبدو مرت باطوار لم تدون بعد ، وربما خجل المؤرخون من رواية احداثها ، تماما كما قال ابن الاثير ذات مذبحة هولاكية عندما شيدت ثلاثة ابراج في العراق من جماجم الناس.. قال تمنيت لو ان امي لم تلدني لارى ما ارى ، وقال عبدالله بن محمد ذات يوم شيئا كهذا وهو يا قوم ، لو رأيتم ما رأيت وسمعتم ما سمعت.. آه كم وددت لو اني شجرة،،
هل كانت هذه الجرائم خلاصة تاريخ الألفيات السبع؟ ورحيق الكتب والحكمة والبلاغات الرسولية؟
لو تجرأ مخرج سينمائي على تقديم هذه المشاهد من مخيلته لمنعته الرقابة ، لكن الواقع تفوق على كل الكوابيس وأصبحت روايات كاتب مثل فرانز كافكا مجرد دعابات أو حكايات لتنويم البالغين قياسا بما نرى على مدار الساعة،
ان الأجزاء أو الأعضاء التي يجب أن يتجنبها القتلة المحترفون الآن هي تلك التي تغطى بقبعة أو حذاء أو قميص أو حتى خاتم ، فالمطلوب انجاز قتل الضحية دون الحاق أذى بملابسها وقبعتها وحذائها لأن القاتل يسيل لعابه على هذه الأشياء.الآن أصبح بوسعنا أن نصدق بأن هناك من نبشوا القبور لانتزاع سن ذهبية من جمجمة ، والآن أصبح تاريخنا البشري بحاجة الى هوكوبيا جديدة تروي تاريخ التاريخ ، فالمخفي منه أعظم ، والدم الذي سال على هذا الكوكب كان اضعاف محيطاته وبحاره وأنهاره ، لكنه جف بمرور الزمن وباللامبالاة ، وبالخجل الذي تشعر به الشمس مما يقع تحتها سواء كان في نيجيريا أو غزة أو قانا أو البصرة أو ما لا نعرفه في أقاصي هذا الكون،
بعد الآن ستخلع الضحية قبعتها وثيابها قبل الذبح ، كي لا تبقع بالدم لأن القاتل يريدها،
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة خيري منصور جريدة الدستور