عندما قرأت تقريرا طبيا نشرته مجلة طبية كندية عن قوة القبضة وضعفها سرعان ما ضممت اصابعي واحكمت قبضتي لاتأكد من انها قوية او ضعيفة ، لان ما تقوله الدكتورة كارولينا لينغ ومجموعة من الباحثين عن ضعف قبضة اليد يثير الفزع ، وهو ان القبضة الضعيفة تنذر صاحبها بموت مبكر.. وليس مهما ما انتهت اليه بعد قياس قبضتي ، لان المسألة ابعد من ذلك واشد خطورة ، فالامم ايضا لها اصابع وقبضات ، وحين تكون قبضتها قوية ومحكمة تقاوم الانقراض سواء كان سياسيا ووجوديا أم عضويا ، ووجدت أن الأنباء الطيبة ايضا قابلة للتأويل السياسي ، لان هناك انيميا تصيب الروح ، ومناعة تتخطى كريات الدم البيضاء الى الارادة ، كما ان الموت السريري ليس حكرا على الجسد فثمة امم قد تصاب بمثل هذا الموت ثم تعيش الف عام تحت الاجهزة.
الكف العربية لها اثنان وعشرون اصبعا تنبع من كتف عريق ، ولديها من التحديات واسباب الاحتشاد والصد ما يفرض عليها ان تكون قبضة من فولاذ ، لكنها شبه مشلولة لان لكل اصبع فيها حكمة الامبراطوري البائس لهذا فان المرء يخشى ان يكون ما قاله الاطباء الهولنديون والكنديون قابلا بالفعل للتأويل السياسي ، فيكون عمر الامة ذات القبضة الرخوة قصيرا والمقصود بالعمر هنا ليس سنوات البقاء على قيد الحياة في بعدها البيولوجي فقط لان العالم يعج بالاحياء الموتى ، وان كان باطنه في بعض مواقعه يعج بالموتى الاحياء،
ومن ابسط البديهيات ان قوة القبضة واحكامها تأتي من مصدرين اولهما الطاقة والقرار والارادة الباسلة ، وثانيهما قابلية الاصابع للتحالف بدلا من التباعد ، ولو شئنا تطبيق هذا التوصيف على القبضة القومية فان ما ينذر بالاخطار اضعاف ما يبشر بالتخطي ، وحسب النظرية الشهيرة التي وضعها ارنولد توينبي وجعلها معيارا لحكمه على تاريخ الشعوب وهي ثنائية التحدي والاستجابة ، فان العرب الان لديهم من التحديات ما يكفي ويزيد لكي تكون الاستجابة فذة ، لكنها ليست كذلك والمفارقة هي ان الاستجابة تضعف كلما ازدادت وتصاعدت وتيرة التحديات بحيث تصبح متوالية ردود الأفعال معكوسة بخلاف كل الكائنات التي لولا استجابتها الحيوية للتحديات لما مكثت في العالم حتى اليوم ، وهذه ايضا مناسبة للتذكير بما يقوله علماء النفس والاجتماع عن تأثير الهزائم الكبرى في حياة الشعوب ، ومنها هزيمة حزيران بامتياز كارثي ، يقولون ان الهزيمة قد تتحول الى رافعة ومرتكز لولادة خلاقة ثانية ، وقد تكون ضربة قاتلة في الرأس ، ان لم تمت الانسان فهي تشل ارادته ويعيش في أقصى درجات الغيبوبة،
ان الفرد منا يستطيع ان يقيس منسوب القوة والضعف في قبضته ، كي يتفاءل أو يتشاءم بطول العمر وقصره ، لكن الأمم ليس ميسورا لها هذا القياس لأن اصابعها تبعد عن بعضها مئات وآلاف الأميال ، وعلى نخبها ومثقفيها وناشطيها ان كانوا جديرين بهذه الصفات ان ينوبوا عنها في قياس منسوب القبضة من خلال ما تفرزه على مدار الساعة من افكار وهواجس وردود أفعال هي في النهاية ما سماه توينبي الاستجابات الفذة.. ومن يدري لعل حاصل جمع قبضاتنا كأفراد هو قبضتنا القومية،،
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة خيري منصور جريدة الدستور