اذا كانت الهزيمة بلا آباء فان الفساد اشد يتما منها ، لانه دائما مجهول النسب وجزاؤه بدءا من اصغرها حتى اكبرها هي افعال منية للمجهول والغائب ، وقد يكون هذا سببا في تحوله من مجرد اخطاء الى ظاهرة ومن ثم الى نسيج بنيوي ، يستعصي علاجه ، ونحن نستوعب ما يقال عن فساد الدول خصوصا تلك التي تصنف حسب معيار حديث بالدول الفاشلة ، لكن ما هو عصي على الفهم وعسير على القلب هو فساد ما قبل الدولة ، سواء كانت حركة تحرر وطني او ثورة ، واذا اقترن الفساد بالجنين حتى قبل ولادته ، فما الذي سوف يحدث عندما يبلغ سن الرشد؟

منذ عقود والفساد يظفر بسجال لا ينتهي حول اسبابه ونتائجه ، وما يقال عن قطع دابره يبدو عديم المعنى ، لانه كما يبدو بلا دابر ، ولا اية ملامح يمكن رصدها ، فالفساد الذي رأى بعض المدافعين عن القليل منه في عشرينيات القرن الماضي خصوصا في النظم التي تصلب البيروقراطية شرايينها تحول الى نظام مضاد على مستوى الكوكب بأسره وتعولم ايضا لان شبكاته ومافياته عابرة للدول والقارات،

وما يثار بين وقت واخر عن فساد هنا او هناك سرعان ما ينتهي الى سلسلة لا نهاية لها من اشارات الاستفهام والتعجب ، لان ما تجري مقاومته هو مفهوم مجرد اسمه الفساد ، اما الفاسدون فانهم ينعمون بحصانات وبوليصات تأمين لا يعلم مصادرها الا الضالعون في هذا الفقه الاسود.

نفهم ايضا ان الانسان بعد العشرين او الثلاثين من عمره قد يصبح فاسدا او ضالا ، او انتهازيا لاسباب اجتماعية ونفسية واقتصادية ، ولان الحاجة فرضت عليه مثل هذا الاحتيال ، لكن ان نجد طفلا في الثالثة او الرابعة من العمر وقد تحول الى انتهازي وفاسد فتلك معجزة لم تتحقق الا في ايامنا ، والمقصود بالطفل هنا ليس الكائن البشري بل الحركات الوطنية والثورات التي رفعت شعارات تعد الانسان الخلاص ، والانعتاق من دوافع الكذب والحيلة وبالتالي الفساد.. ان هذه الثقافة الجديدة التي بدأت مصطلحاتها تطفو على السطح كانت قبل ذلك سرية ، وكان الفاسدون يحاولون التستر وارتداء طاقية الاخفاء ، لكن الانتشار الوبائي للفساد وعولمته اسقطت الخجل من المعادلة ، وما كان الناس يحاولون اخفاءه اصبحوا يشهرونه في عز الظهيرة.

فالانسان العادي ، الذي صدق ما حقن به من مواعظ وما رضعه من تربويات اصبح الان ساذجا واخر من يعلم بمقاييس الفاسدين الجدد ، والطرق القصيرة والمعبدة لبلوغ الاهداف لا علاقة لها بالكفاءة والعصامية والكدح البريء بل هي الفهلوة بكل خصائصها التي تحث عنها علماء النفس والاجتماع باسهاب وتفصيل مملّ،

زلزال هايتي بكل ما ادى اليه من كوارث وقبور جماعية لربع مليون انسان لم يكن في منجى من الفساد والتجارة باللحوم المحترقة . ورقيق الاطفال.

وما يحدث في بلدان محتلة من مجاعات وانتهاكات وتدمير مبرمج لكل البنى لم يكبح جماح الفاسدين ، بل تحول الى تربة خصبة لكل ما يقترفون بحق البلاد والعباد.

فهل نصدق بعد كل ما نسمع ونرى ان الفساد يتيم؟؟


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة  خيري منصور   جريدة الدستور