ستحفّز سيطرة الجمهوريين على مجلس النواب الأميركي تعنت رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو في مسألة الاستيطان، وستُضعف من قدرة أوباما وعزيمته في الضغط على إسرائيل، ما يضع النظام العربي مرّة أخرى وجديدة أمام ما يهرب منه دوماً، وهو مواجهة انسداد أفق التسوية وغياب البدائل فعلياً.
في مقالته المهمة "كيف يمكن للرئيس أوباما أن يرسم سياسة جديدة في الشرق الأوسط" في العدد الأخير من مجلة الشؤون الخارجية الأميركية المعروفة والعريقة، يرى المحلل السياسي الأميركي، روبرت مالي، الذي كان مقرّباً كثيراً من الرئيس أوباما، بأنّ أحد أبرز أخطاء الإدارة الأميركية أنّها ما تزال تتعامل مع المنطقة العربية وكأنّها ما تزال تحتكم إلى تقسيم معسكري الاعتدال والتطرف.
ولعلّ الفاعل الرئيس الجديد، الذي يستقطب اهتمام الكثير من المراقبين الأجانب والإسرائيليين، وينظر إليه بقلق كبير التيار الموالي لإسرائيل في الولايات المتحدة الأميركية، هو الدور التركي الصاعد في المنطقة، والتقارب الذي يبديه الأتراك تجاه إيران وسورية وحماس، والأزمة الكبيرة، غير المسبوقة خلال العقود السابقة، التي تعصف بالعلاقات التركية- الإسرائيلية.
ثمة، إذن، اعتراف حتى من قبل المحللين الأميركان أنفسهم بتحولات بنيوية في معادلات الشرق الأوسط أحدثها بالطبع التحول التركي والصعود الإيراني، وبروز الفاعلين الشعبيين والتحالفات البينية بين دول محسوبة على الاعتدال والتشدد، كل ذلك يدفع إلى تغيير السياسة الأميركية في المنطقة باتجاه أكثر براغماتية وإدراكاً للمتغيرات التي حدثت.
المفارقة أنّ هذه هي نفسها اللغة التي يتحدّث بها الإسرائيليون والأتراك والإيرانيون، فالكل مدرك لمصالحه، وضرورة تطوير السياسات لخدمة أمنه القومي، إلاّ الطرف العربي الذي ما يزال ساسته يصرّون على القسمة الثنائية (اعتدال وتطرف)، بالرغم أنّها مبنية بالكامل على فرضية نجاح العملية السلمية وإقامة الدولة الفلسطينية وعلى فرضية الصراع المطلق مع إيران؟!
ومن الواضح أنّ حقائق الواقع تسير بالاتجاه المغاير بالنسبة للتسوية السلمية، فيما لم يحاول العرب عرض صفقة مشابهة على إيران كتلك المعروضة على إسرائيل، أي تبادل الأمن والمصالح، بل حكمنا مسبقاً على إيران بأنّها عدو أبدي تاريخي، فيما نمد اليد لإسرائيل.
السبب معروف وواضح أنّ ما يحرّك العرب غرائز ساستهم، وليس منطق المصالح المتبادلة، وعلاقتنا مع الولايات المتحدة مبنية على الخوف منها والإيمان أنّها تملك فعل ما تريد، مع أنّ الأميركان أنفسهم يدركون تماماً أنّ هذه المعادلة لم تعد قائمة، وأن قدرتهم على الفعل باتت أقل بكثير من السابق، وهو ما تدركه إيران وتركيا وتسعيان لملء الفراغ وإحداث تغييرات في المنطقة لصالحهما.
لا يمكن النظر بصورة وردية للدور الإيراني، ولا حتى التركي، ولا كذلك بصورة سوداوية، لكن حتى بعين المصالح وبوجود لغة محترمة من الجانب العربي تتحدث بمنطق ميزان القوى الإقليمي، فأحسب، عندئذٍ، يمكن تعديل السلوك الإيراني والوصول إلى صفقة تاريخية في العراق ولبنان، بل في المنطقة بأسرها وتجنب فتن طائفية وعرقية وأزمات داخلية..
تأزم الوضع عراقياً ولبنانياً ويمنياً..، هو خدمة مجّانية تقدّم لإسرائيل. فالأمور في العراق لا تبشّر بخير، وكذلك الأمر في لبنان، وبالضرورة في الأراضي المحتلة الفلسطينية، وأزمة النظام العربي تتجذّر، فيما تبدو الفرصة أمامنا واضحة، حتى لمن في عينيه رمد، أين هي؟..
قوتان إقليميتان يمكن أن تساهما في إعادة هيكلة ميزان القوى، واستعادة العرب لتوازنهم الاستراتيجي، فلماذا يصر النظام الرسمي العربي على السير في الطريق المسدود الخاطئ في ظل أجواء بالفعل تبعث على القلق!
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة تصنيف محمد ابو رمان جريدة الغد