ليس من المبالغة وصف الشيخ نوح القضاة بأنّه من أبرز رجالات الأردن منذ التأسيس إلى اليوم، وليس من المبالغة (أيضاً) القول إنه يتمتع بحضور محترم واسع في الوجدان الأردني، قد لا يضاهيه فيه إلاّ القلّة القليلة، ولا أغامر بمثقال ذرة في الرهان على أنّ أيّ استفتاء لأهم قيادات مرت على تاريخ الأردن لكان الشيخ أحد أهم هؤلاء.
هو يستحق الاحترام والحضور لدى الناس هنا، بل ذلك قليلٌ في حق الشيخ الذي أعطى للوطن الكثير وعمل دوما بصمت، وقدّم نموذج "القيادة الدينية" بصورة معيارية استثنائية، وبذكاء وحكمة وبصيرة، فميّز بين قدرته على بناء المؤسسات داخل الدولة نفسها، والعطاء بلا حدود ولا تذمر أو ادعاءات، وفي الوقت نفسه الحفاظ على صيت واستقلالية كاملة في الفتوى والموقف الفكري والديني والسياسي، وهي معادلة صعبة جداً ومعقدة، لكنّ الشيخ نوح عرف سرّها، وفكّ لغزها.
المساهمة الأبرز للشيخ كانت في تطوير دائرة الإفتاء داخل القوات المسلّحة وتعزيزها، وقد ساهمت هذه المؤسسة العريقة في نشر الوعي الديني والوطني بصورة ملموسة، وفي تدريس العلوم الشرعية، وأصبحت عنوانا للأردن ولهويته السياسية المحافظة، وحماية الرسالة الدينية والأخلاقية للجيش العربي.
شخصيا، أدين كثيرا للشيخ نوح في تنشئتي الدينية ودراسة العلوم الفقهية والشرعية في مرحلة مبكرة على يد شيوخ الإفتاء، الذين لم يكتفوا بجهود التعليم والتثقيف مع الضباط والعاملين في القوات المسلحة، بل حتى مع أبنائهم، وكان الشيخ بنفسه يأتي ليخرّج الدورات الدينية التي كنا نشارك فيها ونحن ما نزال أطفالا صغارا.
ومع أنّ الشيخ كان يحظى باحترام كبير واستثنائي من أعلى المرجعيات السياسية في البلاد، إلاّ أنّه لم يكن ليضع الفتوى في يوم من الأيام في خدمة الموقف السياسي الرسمي.
ما يجعل الشيخ حالة مغايرة تماما أنه مع علو كعبه في العلم الشرعي والفقه، وتسلمه مناصب دينية وسياسية، إلاّ أنه حافظ دوما على بساطته وتواضعه، والأهم من هذا وذاك نزاهته المالية الصارمة، حتى أنه كان يعيد الأموال الفائضة عن الحاجة في دائرة الإفتاء إلى خزينة الدولة في نهاية العام، وهو ما لا تقوم به أي مؤسسة أخرى.
نموذج الشيخ نوح يتواصل حتى في أسرته، فالرجل كما كان سليل عائلة معروفة بالتدين والبساطة والعلوم الدينية، فإنّ أبناءه التسعة جميعا قد حصّلوا أعلى الدرجات العلمية، وهم أساتذة في الجامعات، سواء في الشريعة الإسلامية أو التخصصات العلمية الأخرى.
مناسبة الحديث عن الشيخ أنه عاد مؤخّرا من رحلة علاج في أوروبا، بأمر من الملك وبتكفّل الديوان الأعباء المالية المطلوبة كافة، وهو يرقد الآن على سرير الشفاء في مركز فرح في المدينة الطبية، ويستحق منا جميعا تحية تقدير ووفاء، والدعاء له بأن يمد الله في عمره ويبارك فيه، فقليل هم أمثاله من القيادات الوطنية الشريفة التي تضرب نموذجا فريدا في كثير من المجالات، سواء اتفقنا مع اتجاهه الفقهي أم اختلفنا.
اتصلت أمس بابنه الدكتور محمد أستاذ الشريعة الإسلامية، مستفسرا عن صحة والده، وهو ينقل رسالة شكر واحترام إلى جميع من وقفوا بمشاعرهم مع الشيخ، وإلى العاملين في الخدمات الطبية الملكية للمستوى المتقدم والرفيع من الخدمة والعلاج..

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  تصنيف محمد ابو رمان   جريدة الغد