قبل ان يرفع العرب شعار "إعرف عدوّك" بعد وقوع الفأس في الرأس عام 1967 ، كان الشعار القومي السّائد هو "اجهل هذا العدو واغمد رأسك في التراب". ولم ندرك في تلك الايام ان الجهل بالنفس سوف يفضي بالضرورة الى الجهل بالآخر وبالعالم كلّه.

ويبدو ان ما ترجم من تراثنا وثقافتنا الى العبرية شمل الامثال الشعبية ، فهي مفتاح ذهبي لفهم المكونات النفسية والاجتماعية للآخر ومن تلك الامثال "الكف لا تلاطم المخرز" و"من تعرف ديّته اقتله على الفور".

المثل الاول ، جهل من قاله ومن ورثه وظائف الكف الاخرى كالكتابة والرسم والنحت واخيرا الضغط على الزّناد، اما المثل الثاني: فها نحن ندفع ثمنه احيانا بالتقسيط واحيانا بالجملة ، واسرائيل عرفت مبكرا ديّة الامكنة بما فيها المقدسات ، ويبدو ان ديّة تدنيس الاقصى عندما انتهك ترابه شارون وهي انتفاضة شاملة قد تحولت الى استثناء او جملة معترضة في كتاب الدّيّات والمفاوضات قبل ذلك وبعده.. لا تتجاوز الدّية الشكوى وقليلا من الغضب العابر وبضع مقالات وتعليقات تنتهي صلاحيتها بعد يوم او اقل.

وهذا ما يفسر جرأة اسرائيل وحكوماتها المتعاقبة على الانتهاك والتجريف ومواصلة الاستيطان ولو عوقبت مرة واحدة دوليا او من ضحاياها لما استمرت تلك المتوالية التي لا تلوح لها نهاية ، فما بدأ في مسجد دهمش باللد امتد الى مسجد بلال والحرم الابراهيمي مرورا بالاقصى وقد نفاجأ ذات ليلة بلا قمر او نجوم بان اسرائيل قد نفذت المؤجل من استراتيجية التهويد والعبرنة بحيث لا يتبقى سوى اسماء تطفو على سطح ذاكرتنا بلا مسمّيات.

عرفت اسرائيل من قبل دية اجتياح لبنان ثم كررت المحاولة مرتين على الاقل في لبنان وغزة وعرفت من قبل ديّة المفاعل النووي العراقي.. لهذا فهي لا تحسب حسابا لأية ردود افعال قابلة للصرف ، ولعل ما سمعه العالم مؤخرا من بايدن نائب الرئيس الامريكي حول اعتبار تل ابيب امتدادا لواشنطن وان التحالف بينهما مقدس ، عليه ان لا ينتظر من امريكا اي عقاب او حتى عتاب لاسرائيل ، اذ غالبا ما تكافأ على مجازرها ، وطالما غطى الفيتو عورات عسكرية وسياسية،.

ان نتنياهو شأنه شأن أسلافه ، يتلقى الشجب الموسمي والتعليقات العابرة كما لو انها من طراز "ابشر بطول سلامة يا مَرْبَعُ": فمربع الاسرائيلي اطمأن الى الديّة حتى لو كانت للقدس ، فهو لا يخاف واحيانا يتلقح بالتصريحات المنزوعة المفاعيل.

لكن ، ديّة القدس ليست عادلة بمقاييس تاريخ قد يصبح فيه القرن مجرد ظهيرة سوداء.. فالصراع لا ينتهي لمجرد ان تصاب الضحية بالغيبوبة المؤقتة.. لهذا لا تخشى اسرائيل من شيء ، قدر خشيتها من المستقبل: فهو كمين وديّة بأثر رجعي،.


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة  خيري منصور   جريدة الدستور