ما اكثرها في تاريخنا السياسي المعاصر ، رغم اختلاف مفهوم التخلي بين فئة واخرى او مذهب وآخر ، لقد وصف وليد جنبلاط عبارات توجه بها ذات يوم في ساحة الحرية ببيروت ضد دمشق ونظامها السياسي بأنها كانت من لحظات التخلي حسب الادبيات الدرزية ، اي الخروج عن العقلانية بسبب فائض الانفعال والتوتر.

فماذا نسمي كل تلك اللحظات التي تبادل فيها العرب السّباب والهجاء والتخوين لأكثر من نصف قرن؟ فاذا كان التخلي بالنسبة لجنبلاط هو الخروج عن العقل والتفكير بانفعال ، فان هذه المفردة تعني في حياتنا اليومية الخذلان وتخييب الظن ، ولا نبالغ اذا ذهبنا الى ابعد من اعتراف وليد جنبلاط المباشر وقلنا ان هذه الحقبة السياسية من تاريخنا وبرمتها هي ركام من التخلي ، واحيانا السقوط في الغيبوبة بحيث لا نصحو الا بعد وقوع الفأس في الرأس،.

ولو عكف باحث عربي دؤوب على رصد ادبيات التخلي في حياتنا السياسية لوجد امامه آلاف الامثلة ، اذ يندر ان تكون هناك مرحلة لم يتخللها هذا التخلي ، لهذا فان التفكير الانفعالي او انابة القلب عن العقل اوشك ان يتحول الى خصيصة عربية ، ومن لم يقع في واحدة من تلك اللحظات فليرمنا جميعا بالحجارة،.

الاسباب عديدة والتخلي واحد.. وفي مقدمة هذه الاسباب سواء تعلق الامر باعتراف وليد جنبلاط او سواه هو غياب الديمقراطية في اهم ابعادها التربوية ، لانها ليست كما يختزلها البعض مجرد علاقة مد وجزر بين حاكم ومحكوم ، انها اختبار عسير لعلاقة الاب بالابن والمعلم والتلميذ واخيرا لعلاقة الفرد مع ذاته ، لان غيابها يصيب الناس جميعا بشيزوفرينيا وبائية لا ينجو منها حتى من تلقحوا ضدها. لان من لا يشرب من نهر الجنون لن يجد ما سوف يفعله بعقله ، وسوف يكتشف بانه البعير الاجرب في القافلة او العنزة السوداء في القطيع.

ان ما يمكن كتابته من تداعيات تحت عنوان التخلي يشمل مسلسل الخيبات والاحباطات التي عاشها جيل عربي طاردته لعنة التخلي: فالشهداء ايضا لم يسلموا من الخذلان وهناك قصة فاجعة للجزائري الطاهر وطَّار عنوانها الشهداء يعودون هذا الاسبوع يقول فيها ما يصيب حتى الموتى بالقشعريرة ، لان ذوي هؤلاء الشهداء العائدين يقتلونهم مرة اخرى ، لان العالم والحياة تم ترتيب كل التفاصيل فيهما بعد ذلك الغياب،. «البقية ص40»

وقد لا نضطر لاستئذان احد كي نطلق على ثقافتنا العربية خلال العقود الستة العجاف التي مضت ومكثت مرارتها في الحلوق والقلوب اسم ثقافة الخذلان ، اذ يتقلب زعماء ومثقفون واصلاحيون في قبورهم لفرط ما يعتدى عليهم بعد ان كان التصفيق يصمّ آذانهم وهم احياء.

فمن يكن سيىء الطالع ويختطفه الغياب ، عليه ان لا ينتظر انصافا من احد حتى من الورثة انفسهم كما قال وطَّار في قصته الصادقة والفاضحة للمسكوت عنه في دواخل الناس الذين اعاد تاريخ العسف واللامبالاة انتاجهم في طبعات داجنة،.

في حياة كل منا لحظات من التخلي ، لكننا نهرب حتى من تذكرها واسوأ ما يصاب به الانسان هو ان تأخذه العزة بالاثم عندئذ تتحول اخطاؤه الى خطايا،.


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة  خيري منصور   جريدة الدستور