تكاد معركة الدستور أن تصل إلى نهايتها بتصويت الجمعية الوطنية العراقية على المسودة، ثم عرضها على الاستفتاء الشعبي العام، إلا إذا استطاع السنة إسقاط المسودة من خلال أغلبية الثلثين في ثلاث محافظات عراقية، عند ذلك سيتم حل الجمعية الوطنية وإجراء انتخابات جديدة، الأمر الذي سيدفع حالة الشد المتقابل بين الطوائف والإثنيات إلى مدى أبعد من تجاهل مطالب السنة حول بعض البنود في مسودة الدستور إلى احتمالات صدامات وحرب أهلية.
ما يجعل من مسودة الدستور موضوعا جدليا، ليس رفض السنة العرب وتحفظهم على بعض مواده، إنما غياب الشعور بالمصلحة الوطنية العليا والاحتكام إلى المصالح الطائفية والفئوية، ومحاولة كل طائفة تحقيق أكبر قدر ممكن من المكاسب مستثمرةً ميزان القوى السياسي الحالي داخل الجمعية الوطنية، وهذه الملاحظة هي التي تدعو إلى التخوف والقلق على مستقبل العراق، فأغلب مواد الدستور ليست موضع خلاف بل هي حالة متقدمة على صعيد تعزيز مفاهيم التعددية والقبول بالتنوع وحماية الأقليات وخصوصيتها، لكن من المهم ألا يخرج القبول بالتنوع وحمايته عن قاعدة "التنوع في إطار الوحدة" وإلا أصبحنا أمام حالة مختلفة تماما عنوانها رفض الآخر وغياب الحاضنة الثقافية والوطنية العامة، ومآلات ذلك ليس القبول بالتنوع بل رفضه والنكوص إلى الداخل الطائفي أو العرقي.
كمثال على التخوف السابق إقرار مسودة الدستور باللغتين العربية والكردية لغتين رسميتين في البلاد، يتم التعامل في الدوائر الرسمية بهما مجتمعتين، على الرغم أن عدد العراقيين الأكراد لا يزيد على نسبة 20% في أحسن الأحوال، ويعزز هذا التخوف المادة الثالثة من الدستور التي تنص على أنّ "العراق بلد متعدد القوميات والأديان والمذاهب، وهو جزء من العالم الإسلامي والشعب العربي فيه جزء من الأمة العربية" فهذه المادة "ملغمة" -بمعنى الكلمة- إذ إنها تعترف بالتعددية وهذا الاعتراف إيجابي، لكنها تلقي غموضا على هوية العراق كجزء من الأمة العربية وتقتصر ذلك على "الشعب العربي في العراق" وكأننا أمام شعوب مختلفة وليس شعبا واحدا، وكأن الأكراد -وربما بعض ذوي الأصول الإيرانية- مصرين على بناء حاجز بينهم وبين المحيط العربي، وهو ما يعني أن الأكراد يذهبون في مطالبهم أبعد من الفدرالية إلى تكريس حالة من العزلة والتناقض بين مكونات الشعب العراقي، مما يهدد هوية العراق ووحدته في المرحلة القادمة.
في المقابل، أبرز ما يمكن التقاطه من القضايا الإيجابية في مسودة الدستور هو التأكيد على أهمية الجمع بين الإسلام والديمقراطية، وعدم جواز تعارض أي قانون صادر مع أحكام الإسلام ومع الديمقراطية ومع احترام حقوق الإنسان وحرياته العامة، وهذا بند متقدم يكفل الحريات الدينية والثقافية ويمثل أساسا تشريعيا لإمكانية العيش المشترك، لكن المطلوب وجود الإرادة السياسية والثقافية المتبادلة لبناء ثقافة ومفاهيم العيش المشترك عمليا، في مواجهة حالات التعبئة العرقية والطائفية المتبادلة.
في هذا السياق لا ضير في إشارة ديباجة الدستور إلى النكبات والويلات التي شهدتها فئات من الشعب العراقي في السابق وبالتحديد الشيعة والأكراد، إذا كان الهدف من هذه الإشارة العمل مستقبلا على صيانة الحرية وكرامة الإنسان وبناء سدٍّ لدى الأجيال القادمة لمنع الرجوع إلى تلك الحقبة. لكن الإشارة إلى حزب البعث وأهمية استئصاله والبعد الطائفي في الديباجة مؤشر سلبي على أن كلا من الشيعة والأكراد لا يزالون مسكونين بالماضي وغير قادرين على تجاوز شبح النظام السابق وآثاره النفسية. وكأنهم -من ناحية أخرى- يحملون السنة مسؤولية تلك المرحلة، وهذا تجاوز لحقيقة تاريخية وهي أن البعث لم يكن حزبا سنيا فقط، وأن هناك نسبة كبيرة من الشيعة فيه، وأنّ السنة هم أيضا ضحايا لحقبة حكمتها مافيا محدودة، ولا يجوز تحميلها لحزب يتكون من ملايين الناس اضطروا للانضمام إليه حماية لمصالحهم الأساسية.
في المحصلة , ما يحسب لمسودة الدستور الجديد الحرص على حماية التعددية الدينية والثقافية والسياسية وصيانة الحريات العامة وحقوق الإنسان، كما أنّ الفدرالية ليست مفهوما سيئا أو مرفوضا من حيث المبدأ، لكن الهاجس الحقيقي والموضوعي الذي عبّر عنه السنة هو انفلات هذه التنوعات والتعدديات من الإطار الوطني والديني الجامع وتشظي العراق إلى دويلات وطوائف متقاتلة. فالخيط الفاصل بين قبول التنوع والتعدد وبين رفض الآخر والنكوص إلى الداخل الاثني والطائفي هو خيط رفيع ودقيق، والأمر أولا وأخيرا مرتبط بما هو أبعد من نصوص الدستور أي وجود الإرادة الحقيقية التي إما أن تجعل من الدستور أساسا للوحدة والعيش المشترك واحترام الإنسان وكرامته، أو مقدمة للانفصال والاقتتال بين الطوائف المختلفة.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة تصنيف محمد ابو رمان جريدة الغد