حملة إدانة إعلامية وسياسية كبيرة شهدها الأردن ضد تفجيرات العقبة ومن يقف وراءها، فاتهم الكتاب والسياسيون القاعدة والجماعات المتشددة بالعدمية والتخريب والضلال الديني والفكري والسياسي، وزاد بعض الكتاب من سخطهم على استخدام الجمل المعترضة -من قبل مثقفين وكتاب وسياسيين آخرين- عند إدانة الإرهاب.
في الحقيقة لو استخدم جميع كتابنا ومثقفينا وسياسيينا كافة مفاهيم ومصطلحات الشجب والاستنكار والغضب لن ينقص ذلك شيئا من فوضى جماعات العنف والتشدد. والأمر الذي يجب أن نعترف به في هذا السياق أن هناك فجوة كبيرة بين هؤلاء الشباب الصغار المتهورين الذين خرجوا من بين أظهرنا وبين الطبقة السياسية والثقافية والإعلامية وغالبية فئات المجتمع في مختلف الدول العربية.
الإدانة واجبة؟ نعم بالتأكيد، وضرورية في بناء حاجز اجتماعي عال ضد فكر التطرف والجماعات العدمية. لكن مسؤوليتنا: مثقفين وكتاب وقوى سياسية ومؤسسات مجتمع مدني لا تقف عند هذا الحد، فهذه الجماعات لم تولد من فراغ ولم تهبط من السماء، هي نتاج شروط متشعبة ومعقدة أفرزت حالة من الغضب والتطرف جراء الشعور بالظلم على من الخارج و الداخل. ومن يريد أن ينكر ذلك كمن يغرس رأسه في الرمال كي لا يواجه الواقع..
هل نملك أن نتجاوز حقيقة أن الاحتلال الأميركي في العراق قد زاد من الإرهاب والتطرف والعنف في المنطقة العربية، وأنتج ظاهرة جديدة وخطيرة وهي "الجماعات عابرة الحدود" وأن العراق تحول –وفقا للتقارير الصحافية والأمنية الغربية- إلى حاضنة للجماعات المقاتلة ولزيادة حالة السخط والغضب الشعبي العربي؟!
وهل يمكن عزل ظاهرة الإرهاب والتطرف عن المشكلات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية الداخلية!؛ أليس للبطالة والفقر والإدراكات الخاطئة للمفاهيم الدينية حول الكون والمجتمع والسياسة دور مباشر وكبير في انتشار حالة التطرف والتشدد الديني في أوساط عدد كبير من الشباب الأردني؟!..
أليس غياب الخطاب الفكري والرؤى الإرشادية من المثقفين والكتاب والسياسيين الذين يستبسلون اليوم في إدانة الإرهاب سبب في وجود حالة الفراغ وفقدان البوصلة لدى الشباب، فيتوجهون إلى الفكر المتشدد الذي يجيب –بأسلوب خاطئ وخطير- عن الأسئلة التي لا نجيب نحن عليها؟!.
باختصار، مكافحة الإرهاب لن تأتي عن طريق الإدانة والشجب فقط، ومسؤولية المثقفين والكتاب والسياسيين لا تقف عند ذلك، وما يجب أن نقر به بوضوح وبصراحة غير مشفوعة بجمل معترضة أو بعبارة "لكن" أن جماعات التشدد والتطرف هي محصلة فشلنا وعجزنا وضعفنا، فالشباب الذين ضلوا الطريق هم أبناء الفراغ الناجم عن تخلينا عن مسؤولياتنا تحت وطأة الاهتمامات الفردية..
عندما يبتعد العالم والفقيه المسلم عن دوره وعن مسؤوليته في توجيه الناس في المساجد والمنتديات العامة فهو يترك المنبر والمسجد والحديث العام لأنصاف المتعلمين والمتفقهين وربما الجهلة الذين يخاطبون عاطفة الغضب والشعور بالظلم لدى الشباب وبالتأكيد سيجدون آذانا صاغية..
ولمّا يتوقف الخطاب السياسي لدى الحركات الإسلامية والقوى السياسية عند شتم الاحتلال وأذنابه وإدانة ضعف الحالة السياسية العربية وتعبئة الناس على ذلك دون بيان الطرق الصحيحة لمواجهة هذه الحالة والمساهمة في بناء تنمية تمثل سدا منيعا ضد التبعية وسندا للقوة الذاتية، فعند ذلك سيؤول خطاب هذه القوى وعملية التعبئة التي تمارسها إلى تغذية الشعور بالفشل والعجز، ودفع الشباب باتجاهات عدمية للتعبير..
وعندما نفشل في بناء حياة ثقافية وسياسية ومجتمع مدني لنستوعب طاقات الشباب ونوجهها عند ذلك من الطبيعي أن يقرأ الشبابُ رسالتَه ودورَه خطاءً؛ فإما أن يتجه إلى الراديكالية السياسية والدينية (هذه الجماعات نموذجا) وإما أن يتجه إلى خيارات منحرفة دينيا وأخلاقيا تمثل الجانب الآخر المقابل لجماعات العنف والتشدد.
إن "المعادل العملي" لمواجهة التطرف والعدمية هو تحملنا جميعا لمسؤوليتنا الأخلاقية والاجتماعية. وإذا كان التشدد يبني خطابه على مفاهيم خاطئة لمعنى "الموت في سبيل الله" ليصبح مرادفا لغياب الأمل وضعف الثقة بالمستقبل، فلنعيد صوغ العلاقة بين الشباب والإسلام على قاعدة "الحياة في سبيل الله" وبناء الأمل من خلال توظيف صحيح للإسلام والجهاد بمعنى البناء والإعمار والتنمية. إلا نفعل ذلك فالمناخ مهيأ لنمو التطرف في أرضنا وفي بيوتنا أيضا!.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة تصنيف محمد ابو رمان جريدة الغد