يعد لفظ "القراءة" أحدَ المصادر الثلاثة للجذر اللغوي الثلاثي (ق ر أ).(1) و يقصد به ، في معاجم اللغة العربية؛ قديمِها(2) و حديثِها(3)، إلى الجمع و الضمّ. و نقترح - لتبيين ذلك، و التدليل عليه- الاجتزاء بما قاله ابن منظور المصري (ت711هـ) في هذا الصدد، و ذلك لاعتبارين اثنين على الأقل؛ فأما أولهما فيتجلى في كون الرجل من المتأخرين نسبياً، و أما ثانيهما فيكمن في أن تعريفه يشمل كثيرا مما حوتـْــه تعاريف المعاجم السابقة. جاء في "اللسان": "قَرَأه يقـْـرَؤُه و يقرُؤُه (4)، الأخيرةُ عن الزجاج، قـَرْءاً و قِراءة و قُرآناً، الأولى عن اللِّحياني ، فهو مقـْروءٌ... و قرأتَ الشيء قرْآنا: جمعته و ضمَمْت بعضه إلى بعضٍ. و منه قولهم: ما قرَأَتْ هذه الناقةُ سلىً قطُّ، و ما قرأتْ جنيناً قط؛ أي لم يضْطَمَّ رحمُها على ولدٍ. و أنشد: (الوافر التام)
هِجانُ(5) اللونِ لم تقرأْ جنينَا(6)
و قال: قال أكثرُ الناس: معناه لم تجمعْ جنيناً؛ أي لم يضطمَّ رحمها على الجنين... و قرأتَ الكتابَ قِراءةً و قرآنا، و منه سُمي القرآن... و قال ابن الأثير: تكرَّر في الحديث ذكرُ القراءة و الاقتراء و القارئ و القرآن، و الأصل في هذه اللفظة الجمْعُ، و كلُّ شيء جمعْتَه فقد قرَأْتَه..."(7)
و إذا انتقلنا من المجال اللغوي العام إلى المجال الاصطلاحي الأدبي، فإنـَّا واجدون أن مصطلح "القراءة" دالٌّ على جملةِ معانٍ اصطلاحية؛ أهمُّها:
* التلاوة. (8)
* ضمُّ العناصر اللغوية بعضها إلى بعض في الترتيل(9). و هذا المعنى يحيلنا إلى مفهوم القراءة لدى علماء القراءات.(10)
* تتبع كلمات النص المكتوب نظراً؛ سواء وقع النطق بها (قراءة جهورية) أم لم يقع (قراءة صامتة). (11)
* "تحريك النظر على رموز الكتابة منطوقة بصوت عالٍ أو من غير صوت، مع إدراك العقل للمعاني التي ترمز إليها في الحالتين". (12)
* تفكيك شفرة (Code) الخبر المكتوب. (13)
* تأويل نص أدبي مَّا. (14)
و يطلق اصطلاح "القراءة" في المعاجم الأجنبية(15) على مجموعة من المعاني، لعل أبرزها ما يأتي:
* فعلُ القراءة. (16)
* نطق المكتوب بصوت مسموع. (17) و لم يطـَّـرد استعمال "القراءة" بهذا المعنى إلا مُذ 1445م. (18)
* حدث تعلم القراءة، أو فنّ القراءة. (19)
* الأثر (أو النص) المقروء. (20)
* صيْرورة كشف الحروف و دلالتها. (21)
* فعل التعرف إلى الحروف، و ضم بعضها إلى بعض؛ من أجل إدراك العلاقة بين ما هو مكتوب و بين ما هو منطوق. (22)
* حدث فكّ (Déchiffrage) رموز ما هو مكتوب. (23)
* فهْم محتوى النص المقروء. (24)
* التأويل المُعْطى لأي منْجَز أدبي. (25)
* الطريق المسلوكة لفهم الشيء. (26)
* طريقة فهم، و تفسير عمل أدبي أو كاتب... (27) و "القراءة" بهذا المعنى ،و بالمعنى السابق أيضاً، تحيلنا على مفهوم المنهج.
* "إعْمال مجموعة من إجراءات التحليل في دراسة نص معطى. و تَطرح هذه القراءة نفسها باعتبارها إنتاجا مقابِلا للوصف أو للشرح التقليدي للنص الأدبي. إنها قراءة لاشتغال النص؛ أي للعمليات التي تؤسسه بوصفه نصا من النصوص، أو هي قراءة لإنتاجيته (Productivité). و تمتاز بكونها منتهية ما دامت تظل منفتحة أبدا على قراءات أخْرَيات، معتمدةً تقنياتٍ أخرى في التحليل، و معترفة بأنها "ممارَسة" (Pratique)". (28) و ينصرف هذا المعنى ،أساساً، إلى مفهوم القراءة في الحقل السيميائي الأدبي.
انطلاقا من الدراسة المعجمية المتقدمة، يمكن أن نسجل الملاحظاتِ الخمسَ الآتية:
1/- إن بين المعنييْن اللغوي و الاصطلاحي لكلمة "قراءة" ارتباطا أكيداً. و هو أحيانا يكون جليا، و أحيانا خفيا يحتاج منا إلى تدبُّر و اجتهاد لكشفه.
2/- إن ما تقدمه المعاجم الاصطلاحية، بخصوص مادة "قراءة"، أهم و أجود مما تقدمه معاجم اللغة. و إن ما تقدمه المعاجم الاصطلاحية الأجنبية أغزر و أعمق مما تقدمه معاجمنا الاصطلاحية. و لا نرتاب في أن معظم ما تورده المعاجم الاصطلاحية العربية ، في هذا الشأن، مقبوسٌ من صِنواتها الغربية.
3/- لمصطلح "قراءة" معانٍ كثيرة؛ إذ إنه حين يُطلق يشير إلى مساحة واسعة من الدلالات المتعالقة و المتوالجة.
4/- عرف مفهوم القراءة تحولا واضحا، و انتقل من المعنى البسيط الشائع إلى المعنى المعقد النقدي. و في هذا الصدد، يقول محمد عدنان سالم: "لقد تطور مفهوم "القراءة" من المعنى البسيط السهل الذي يتمثل في القدرة على التعرف على الحروف و الكلمات، و النطق بها صحيحة؛ و هذا هو الجانب الآلي من القراءة، إلى العملية العقلية المعقدة التي تشمل الإدراك و التذكر و الاستنتاج و الربط، ثم التحليل و المناقشة؛ و هي "القراءة الناقدة" التي تحتاج إلى إمعان النظر في المقروء، و مزيدٍ من الأناة و الدقة". (29)
5/- نلمس في عديدٍ من التحديدات السابقة ارتباط القراءة بما هو مكتوب. و هذا ما قرره عبد الملك مرتاض كذلك حين أثبت أن فعل القراءة "يتمخض ،حتماً، لنص مرقوم". (30) و هو ما قد يحيلنا إلى قولة الكاتب ألبرتو مانجيل: "القراءة تبتدئ بالعيون". (31)

المراجع

odabasham.net

التصانيف

أدب  مجتمع