إذا توفرت لأي عدوان او احتلال ثلاثة عوامل فهو محظوظ ويتغذى ويسمن بمبيداته اكثر مما يموت بها ، العامل الاول غياب اي رادع او كابح ذاتي واخلاقي ، والثاني تحويل الاسطورة الى خندق مقابل التاريخ والثالث خصوم سريعو التأقلم مع كل طارىء حتى لو كان مقدمة وتمهيدا للابادة ، واسرائيل الآن تنعم بهذه العوامل الثلاثة اضافة الى العامل الدولي الرابع الذي كلما اوشك ان يشهد يسقط مجددا في الفخّ الصهيوني ، سواء تم ذلك من خلال الابتزاز الهولوكوستي رغم انه فقد صلاحيته ، او من خلال الضغوط التي يمارسها اللوبي ذو الاذرع الاخطبوطية في امريكا واوروبا وان كان مؤخرا قد تمدد الى قارات اخرى.
غياب الكوابح والروادع اصبح امرا مفروغا منه بعد ستة عقود من الابادة المنظمة والتي تحدث بالتقسيط كي يسهل تمريرها ، فالصهيونية بدءا من الجذور لا تقيم وزنا لأي اعتبار انساني او تاريخي لأنها احتكرت الألم وتقمصت دور الضحية بعد ان سطت على انين الضحايا كلها ولأنها لا ترى في الآخر الا هامشا يغذي وجودها ويعتاش على خدمتها.. وَأَسْطَرَة التاريخ باتت الأطروحة الاكثر رواجا في عصرنا حيث تم تضليل ستة مليارات انسان بمصطلح العولمة الذي لم يكن في حقيقته سوى الأمركة تمهيدا للتهويد.
اما الحظ بالخصوم فهو ما وصفه المؤرخون مرارا بقولهم ان هناك لحظات تاريخية يكون فيها المعتدى عليه غائبا او مغيبا واحيانا يكون مصابا بمازوخية تدفعه الى التلذذ بالألم واستمرار الهزائم ، ولا اظن ان هناك عدوا كإسرائيل ظفر بهذا الحظ ، لأن من تنتهك مقدساتهم ورموزهم ويجرح كبرياؤهم القومي على مدار اللحظة وليس الساعة فقط ابتلعوا ألسنتهم وفقدوا حتى اضعف الايمان. فلا هم هنا او هناك ، وليسوا ضحية بليغة في ادانة جلادها بقدر ما هم ضحية خرساء.. فما يحدث في القدس وما حولها لا يهم الا هؤلاء الذين اسقط من ايديهم حتى الحجر وفق نظرية تتلخص في ان من لا حول ولا قوة لديه ، عليه ان يسلم بالامر الواقع وان عليه اذا داس عنقه عدوه وجلاده ثم طلب منه ان ينتظر على هذا الحال حتى يقضي حاجته ويعود ، ان يخضع وينفذ ما دامت الضرورة قد تغلبت على الحرية وضاقت الارض حتى اصبحت رغيفا،،. ويبقى العامل الرابع ، وهو احدى عجائب عصرنا لأن ما يقال في الليل يمحوه النهار وما يتحذلق به رعاة الحقوق وحراس العولمة ليس سوى العلف الاعلامي المخدّر الذي لا يقبل الصرف او حتى الترجمة، وهذا ما يفسر لنا التسارع المحموم في اسرائيل للتعجيل في كل ما كان مؤجلا طيلة العقود الستة الماضية كل ما كان مخبوءا في الملفات السرية والادراج ، الآن ، يتزامن التهويد مع العبرنة والاخلاء والتهجير وخلع ملامح فلسطين من الجذور بحيث لا ينجو من هذه الجرافة مسجد او بيت او مدرسة او شجرة،،.
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة خيري منصور جريدة الدستور