الشيخ محمد البشير الإبراهيمي
الشباب في كل أمّة هم الدم الجديد الضامن لحياتها واستمرار وجودها ، وهم الامتداد
الصحيح لتاريخها ، وهم الورثة الحافظون لمآثرها ، وهم المصحّحون لأغلاطها وأوضاعها
المنحرفة ، وهم الحاملون لخصائصها إلى من بعدهم من الأجيال .
كنا شباباً فلما شبنا تلفّتنا إلى الماضي حنينًا إلى الشبيبة فرأينا أن الشباب هو
الحياة التي لا يدرك قيمتها إلا ّمن فارقها ، ورأينا أخطاء الشباب من حيث لا يمكن
تداركها ؛ وسيصبح شباب اليوم شيوخ الغد ، فيشعرون بما نشعر به نحن اليوم ، وليت
شعري إذا كان شيوخ اليوم هم شباب الأمس وشباب اليوم هم شيوخ الغد ، فعلام هذه
الشكوى المترددة بين الفريقين ؟ وهذا التلاوم المتبادل بين الحبيبين ؟ يشكو الشيوخ
نزق الشباب وعقوقهم ونزواتهم الكافرة ، ويشكو الشباب بطء الشيوخ وترددهم وتراجعهم
إلى الوراء ونظرتهم إلى الحياة نظرة الارتياب .
مهلاً أيها المتقاربان المتباعدان ، فليس التفاوت بينكما كسبيًا يعالج ، وليس
النزاع بينكما علميًا يحكم فيه الدليل ، ولكنه سنّة وتطوّر . كنا حيث أنتم ،
وستصبحون حيث نحن بلا لوم ولا عتاب ؛ هما مرحلتان في الحياة ثم لا ثالثة لهما
طويناهما كرهًا ، وستطوونهما كرهًا ، والحياة قصيرة وهي أقصر من أن نقطعها في لوم
أو نقطعها بنوم .
ليحرص الشباب على أن يكونوا كمالاً في أمّتهم لا نقصًا، وأن يكونوا زيناً لها لا
شينًا ، وأن يضيفوا إلى تليد مكارمها طريفًا ، وإلى قديم محاسنها جديد ً، وأن يمحوا
كل سيئة لسلفهم بحسنة .
والشباب المحمّدي أحقّ شباب الأمم بالسبق إلى الحياة ، والأخذ بأسباب القوة ، لأنّ
لهم من دينهم حافزاً إلى ذلك ، ولهم في دينهم على كل مكرمة دليل ، ولهم في تاريخهم
على كل دعوى في الفخار شاهد .
أعيذ الشباب المحمدي أن يشغل وقته في تعداد ما اقترفه آباؤه من سيئات أو في
الافتخار بما عملوه من حسنات ، بل يبني فوق ما بنى المحسنون ، وليتق عثرات المسيئين
.
وأعيذه أن ينام في الزمان اليقظان ، أو يهزل والدهر جادّ ، أو يرضى بالدون من منازل
الحياة .
يا شباب الإسلام ، وصيتي إليكم أن تتصلوا بالله تديّنًا ، وبنبيّكم اتّباعًا ،
وبالإسلام عملا ً وبتاريخ أجدادكم اطّلاعًا ، وبآداب دينكم تخلّقًا ، وبآداب لغتكم
استعمالاً ، وبإخوانكم في الإسلام وِلداتكم في الشبيبة اعتناءً واهتمامًا ، فإن
فعلتم حزتم من الحياة الحظ الجليل ، ومن ثواب الله الأجر الجزيل ، وفاءت عليكم
الدنيا بظلها الظليل .
مكّة المكرمة في 1 صفر الخير 1372هـ .
النبراس المنير الشيخ محمد البشير الإبراهيمي رحمه الله تعالى .

المراجع
odabasham.net
التصانيف
أدب مجتمع