ليس فقط جملة فاصل وسنعود ، هي القاسم المشترك الوحيد بين الفضائيات العربية ، فثمة معجم بدأ يتشكل لينافس المعجم الارضي القديم ، مصطلحات فضائية دخلت الى الحوارات اليومية الدائرة بين الناس ، وثمة ما يشبه العدوى الوبائية بحيث تتكرر مفردات محدودة قد لا تتجاوز في عددها عيدان علبة كبريت صغيرة ، لكنها على الاغلب مفرغة من المحتوى وملتبسة الدلالات.
وبالرغم من الايجابيات الفضائية التي عوضت العزلات الاخرى في مجال الاعلام ، الا ان الاعراض الجانبية لهذا الحراك الفضائي لا يستهان بها فهي تتخطى الغثيان او الصداع الذي تتسبب فيه بعض الادوية والذي هو شر لا بد منه،.
ان عدد الباحثين المختصين في الشأن الاسلامي في الفضائيات العربية يدفعنا الى احد امرين الاول اعادة تعريف مصطلح البحث وما يعنيه الاختصاص والثاني هو عن اي اسلام يتحدث هؤلاء الخبراء ، ومناسبة هذه التداعيات حوار دار بالامس بيني وبين احد الضيوف او الخبراء المزمنين لاحدى الفضائيات ، اذ وجدت بعد دقيقة واحدة انه لا يعرف شيئا عن الاسلام والحضارة العربية الاسلامية قبل مطالع هذا القرن وبالتحديد قبل احداث ايلول الامريكية عام ,2001
وقال انه خبير وضليع بالحراك الاسلامي في بعده السياسي ، وكأن هذه الخبرة يمكن عزلها عن كل ما مضى منذ اكثر من الف وخمسمائة عام ، وعن فقه الفرق السبعين المرشحة للنار باستثناء واحدة هي الناجية.
ما استوقفني فيما يقوله هؤلاء الخبراء ليس آراؤهم حول الاسلام كدين والمسلمين كبشر ، بل بحثهم الدؤوب عن كل ما يرضي اولياء النعم ، سواء كانوا من داخل الوطن العربي او من المستشرقين الجدد الذين هم في نهاية المطاف طبعة منقحة ومزيدة من ثقافة عنصرية استعلائية تلوي اعناق النصوص والمرجعيات خدمة لاستراتيجياتها السياسية اولا،.
لقد بدأ كثير من الناس الذين لا يقرأون يدمنون ثقافة شفوية ، تصوغها وتسوقها فضائيات مضطرة للبث على مجار الساعة لكن البث ليس بالضرورة بحثان انه احيانا مجر ملء للفراغ وعلف كلامي يتطلبه استمرار العمل.
لقد شاهدنا في حروب الخليج الثلاث خبراء عسكريين واستراتيجيين من جنرالات عرب متقاعدين كان لهم الباع الاطول في خمس هزائم على الاقل ومنهم من خدعوا الناس وهيأوهم لقرع طبول الانتصار ، ثم انتهى الامر الى تلك الدراما التي لا يمكن لاحد ان يحزر مداها،.
في الثقافة والفنون يحدث الشيء ذاته فهناك فلاسفة جدد يمكن تسميتهم فلاسفة يسمونهم مثلما كان الاوروبيون يسخرون ممن يسمونهم فلاسفة الاحد ، فالكلام مرسل على عواهنه والاخطاء الجسام تتحول الى خطايا لكن هذا كله يذهب مع الريح ، لأنه ما من رصد جدي او نقد متابع لكل ما يتدفق من الشاشات.
اننا الآن ازاء معجم فضائي.. يبدأ من جملة سنعود بعد الفاصل ويعمم مصطلحات فوسفورية خاطفة للابصار سرعان ما نكتشف انها من قصدير لامسه شعاع فضائي،،.
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة خيري منصور جريدة الدستور