من يتابع ما يصدر في العالم العربي من مقالات ومواقف سياسية من قبل المثقفين والكتاب والقوى السياسية حول الأحداث الدامية في العراق سيدهش لمستوى تسطيح الأحداث والتطورات الجارية، والاقتصار على مواقف أيدلوجية بعيدة كل البعد عن قراءة الواقع قراءة عميقة. فهناك رؤية اختزالية لكل ما يجري في العراق؛ والكتاب العرب منقسمون مبدئيا إما مع المقاومة وإما ضدها، وإذا كان هناك تفصيل فهو محدود يقف عند حدود التمييز بين المقاومة التي تستهدف الاحتلال والمقاومة التي تذهب بأرواح المدنيين والأبرياء. في حين هناك غياب كامل للتقارير والمتابعات والملفات التي تحلل ما يجري على أرض الواقع ومعاناة الإنسان العراقي؛ ما يتعلق بالأمن الشخصي والأسري وبالحياة اليومية لملايين الناس الذين ما يزالون يفتقدون للماء والكهرباء وأساسيات الحياة، وكثير منهم لا يأمن أن يعود من عمله إذا خرج أوعلى أطفاله وهم في مدارسهم.
لا نقرأ في الصحف العربية حول الوضع الإنساني في العراق؛ أعداد الضحايا المدنيين مستوى الصحة وتوافر الدواء التدريس معدلات الفقر والبطالة..الخ، فقد اختصر السياسيون والكتاب العرب صورة العراق بأيدلوجياتهم ومواقفهم السياسية. في المقابل سيصدم من يتابع الصحف والمجلات والملفات والدراسات الغربية عن العراق بحجم المادة المعرفية والعلمية المتوافرة، والحرص الكبير من قبل هذه المجلات والصحف ومراكز الدراسات على فهم وتحليل ما يجري في العراق بما في ذلك المعلومات والبيانات حول الخدمات الأساسية والاختلافات السياسية والأرقام الاقتصادية، وقد قرأت بنفسي عشرات الدراسات التي صدرت حول العراق وكلها تبتعد عن المواقف السياسية والأيدلوجية وتحاول أن تقدم الصورة الواقعية وتكشف حجم الفجوة بين الواقع الحقيقي وبين الدعاية الأميركية، وقد كشفت عدة دراسات معلومات مهمة حول الفساد المالي الذي رافق المرحلة الأولى من الاحتلال وتورط فيه سياسيون عراقيون.
الرؤية الاختزالية العربية لا تقف عند حدود تجاهل التطورات الواقعية والأوضاع الإنسانية في العراق، وإنما في اتخاذ مواقف سياسية صارمة مسبقة دون تفهم الطوائف والقوى السياسية الأخرى، فالعراق اليوم ساحة مفتوحة وللقوى والطوائف المختلفة رؤيتها وهواجسها ومصالحها التي يجب أن نقرأها جيدا. وأتحدث هنا بشكل خاص عن الشيعة والأكراد الذين انقطعت الصلة بينهم وبين كثير من العرب منذ عقود، وهناك حالة من الشك والخوف من المحيط العربي والشعور بأنهم أقلية مستهدفة، وأنه لم يصدر عن العرب تاريخيا رفض ونقد حقيقي فاعل لسلوك النظام السابق تجاههم، كما يشعر الشيعة والأكراد أن هناك حالة من العداء لهم ليس من النظام الرسمي العربي بل ومن الرأي العام أيضا، كما يرى الشيعة العراقيون أن العرب يختزلونهم بالولاء والتبعية لإيران ويتناسى العرب أن هناك مرحلة تاريخية همشت الشيعة وشوهت بناءهم الاجتماعي والثقافي وضربت الحالة المدنية الشيعية لصالح الانتماء الطائفي، كما يتناسى العرب أن النظام السابق فشل في بناء حالة من "الاندماج القومي" تستوعب الأكراد وأنه بدلا من ذلك عمل لفترة طويلة على طمس هويتهم وثقافتهم وأن الذي حماهم منه هم الأميركان، ولا يهتم الأكراد والشيعة بأهداف الأميركان بقدر ما يهمهم أنهم تخلصوا من كابوس المرحلة السابقة وآلامها الطويلة.
وفي الوقت الذي يختلف فيه الكتاب العرب حول الموقف من المقاومة ومن جماعة الزرقاوي ومن الاحتلال الأميركي، لا نجد أسئلة واقعية مطروحة حول مستقبل العراق وكيف نبني العراق وثقافة العيش المشترك والعمل على تجنب الحرب الأهلية والطائفية، ولم نر أي محاولات عربية حقيقية أو وفودا تذهب إلى العراق وتلتقي بالطوائف والفئات المختلفة وتطّلع على أرض الواقع لتقدم تقارير عملية وبيانات حقيقية موضوعية تساهم بوجود دور عربي مساند لمستقبل العراق ويشعر العراقيين أن العرب متفهمون لشروط واقعهم وهواجسهم وهمومهم وأن العرب جادون بالفعل في مساعدتهم والأخذ بيدهم بعيدا عن البؤس الحالي.
العراق ليس بعيدا إنه قريب جدا، والكتاب والمثقفون الصادقون مدعوون إلى تعليق المواقف المعلبة المسبقة والاقتراب من المجتمع العراقي أكثر، أي إعادة فهم العراق وتطوراته مرة أخرى، وإلا سنبقى نحتفل بالخراب الحالي!.   
m.aburumman@alghad.jo

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  تصنيف محمد ابو رمان   جريدة الغد