اذا صح بأن بعض الكلمات تستدعي نقيضها كما يستدعي السواد البياض فان كلمة ناشط التي يتم تداولها الآن في النطاق العربي تستدعي كلمة الخامل ، مثلما تستدعي كلمة حراك الاستنقاع ، ولو شئنا الصراحة أو القدر المتاح منها لقلنا ان الخمول هو السمة السائدة سياسيا وفكريا على أمة احترفت الاستهلاك بمختلف أنماطه ومستوياته المادية والمعنوية ، ومن لا يستطيع انتاج الفكرة والسلعة معا يبقى في منطقة الصدى والظل ، عديم الحول والقوة ، يتفرج على مصيره وهو يصاغ أمامه تحت المطرقة،.
ونادرا ما نقرأ عناوين أو حتى عبارات سياسية من طراز "الخاملون العرب" ، لكن الحقيقة هي ان حالة التخثر التي نعيشها تدفعنا الى البحث عن أسباب أخرى غير هذه المتداولة عبر الميديا ، والتي لا تزيد عما ينتأ من جبل الجليد الغاطس في المحيط تربويا او ثقافيا وبالتالي اجتماعيا نشأ العربي المعاصر محاصرا بعدة اقواس تحدد له المسار من المهد الى اللحد ، بحيث يليق به المثل القائل "ان حياة جبر من بطن أمه الى القبر" ، ولا ندري ما هو نصاب الألم والانتهاك والاهانة اللازم توفره للانسان كي يحول اسئلته السرية المهموس بها الى مساءلات باعلى صوت؟.
ان كان الفقر سببا كافيا لتحقيق هذا فإن لدى العرب الآن منه ما يفيض ، وان كان الظلم ، فالكاظمون وحدهم أدرى بما تراكم من هذا الظلم ، وان كان الغزو وفقه الابادة سببا كافيا لاستكمال هذا النصاب بمجمل تضاريسه من محتل الى شبه محتل واخيرا المدرج منه على قائمة الاحتلال،.
وما يقوله العلماء عن الانقراض عندما لا يكون عضويا فقط ، يثير فزعنا كعرب فهو يبدأ من تبلد الاحاسيس أو ما نسميه التمسحة ، بحيث تتوقف الاستجابات التي انقرضت عضويا انقطع الاتصال في أجسادها بين الألم والوعي به وبين الجوع وادراكه.
والشعوب التي انقرضت قيل انها كانت تتوهم معرفة كل ما سوف يحدث لها في المستقبل ، لكن ما ان فوجئت بما لا تعرف حتى سقطت وهلكت.. ولعل اكثر ما تضرر من الهنود الحمر هو اعتقادهم بأن ما سوف ينصفهم ويحررهم هو طائر الرعد الذي يهل من الأفق الرمادي بجناحين متلألئين.. وانتهى الأمر بأن اطلق الرجل الأبيض اسم هذه الاسطورة الهندية الحمراء على نوع من سياراته الفارهة،.
ان مفهومي الناشط والخامل وبالتالي الحراك والاستنقاع ليسا كما عرف المعجم العربي الساندويتش وعرّبه ، مجرد شاطر ومشطور أو كافح او أي شيء آخر.. وفي حمى هذا التسارع الكوني ، سوف يسقط عن سبق الاصرار والترصد وليس سهوا من لا يملك أدوات البقاء ووعيه وقدرته على الاستجابة الفذة لما يتحداه.. فكم خاملا مقابل ناشط واحد في هذا القبر الجماعي الذي يعج بالأحياء؟،.
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة خيري منصور جريدة الدستور