ثمة حالات يصبح فيها الخطأ بترتيب الاولويات بمثابة انتحار اهلي ، تماما كما يحدث للمريض عندما يعبث في ترتيب جرعات الدواء لانه يفضل ما هو بمتناول يده ، وما يقوله علماء الانثروبولويجا عن الشعوب التي عانت من خلل نسيجي وبنيوي في ديناميات حياتها ، يعود اساسا الى ذلك الخطأ في ترتيب الاولويات فهي قد تسعى الى الهجمة قبل استكمال عناصره وهي في لحظات تستوجب الدفاع فقط.

حتى الافراد يصابون بمثل هذه الكوارث عندما يخطئون في العد او يعدون بشكل عكسي ، سواء تعلق الامر بحالات العصاب النفسي او العمى المؤقت او الحذر المبالغ فيه الذي يفضي على الفور الى تعثر.

تاريخنا العربي المعاصر مليء باخطاء من هذا الطراز وهناك من يتوكلون قبل ان يعقلوا سواء كان هذا العقل للناقة او للبشر انفسهم وهم يفاضلون بين موقف واخر. والخلط بين الاجرائي والاستراتيجي هو من صميم الخطأ في اجندة الاولويات تماما كما هو الحال في الخلط بين العاجل والآجل ، ولكي لا يحدث هذا ويتسبب في حالات من الارباك والفوضى المدمرة ، لا بد ان يكون للنخب او الطبقة السياسية دور في قرع الاجراس ، لان من لا يملكون القدرة على الانذار المبكر يدفعون الثمن مضاعفا،.

فاين هي هذه النخب العربية؟ انها تنكفئ الان داخل شرانقها وتحصي غنائمها الصغيرة على حساب الخسارة الوطنية والتاريخية الفادحة ، وهي نخب ضالة بكل المقاييس لان بوصلتها معطوبة ، وما تظن انه سوف يأتي من الجنوب يفاجئها من الشمال. وقد ترى السراب ماء عن بعد ثم تفاجأ بالمزيد من الجفاف والتصحر وقد تعقد الرجاء على غيمة يتضح اخيرا انها سحابة من غبار او دخان،.

ولدينا كعرب ثلاث حروب على الاقل كان الخطأ الجذري فيها له صلة بالاولويات ، لهذا عوقب من تعجل قتل ابيه طمعا بالميراث العاجل من الميراث كله ، وفقدت كلمة الغار المعدّة للانتصار نقطة الدم فوقها لتصبح مجرد عار،. الم يتلقح عرب الخمسين سنة ماضية من كل ما لدغوا به من تفتت وطني واستفراد اجنبي وخسائر تعجز الحواسيب الذكية عن احصائها؟ لانها تتمدد نحو المستقبل لتقضمه وتتحول الى مديونيات باهظة على الاحفاد واحفاد الاحفاد؟.

ولماذا يقبل الانسان في لحظة عمى ودوار مثل هذه المقايضة البائسة بين غنيمة عاجلة وعديمة القيمة ومكسب تاريخي كبير؟.

الأنَّ عصفورا ميتا في اليد افضل من الف عصفور على شجرة الجيران؟.

انها سايكولوجية التسول التي لا تعترف بالقادم والمؤجل ولا استراتيجية لها على الاطلاق ، فالمتسولون يعيشون من وجبة الى وجبة ، ولا يفكرون بما هو ابعد من الرغيف المتاح،،.


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة  خيري منصور   جريدة الدستور