هذه ليست النوبة الاولى ، ولن تكون الاخيرة ، ما دامت الولايات المتحدة وضاحيتاها في لندن وباريس تصرّ على ان ما يحق لاسرائيل لا يحق لغيرها ، ولو تصرفت واشنطن بشكل مغاير وقالت ان اسرائيل ابنة السّتين عاما من الاحتلال ليست أجدر من العرب وغيرهم بالبحث عن سبل للدّفاع عن النفس ، لكن هذا الخلل في الموازين وازدواجية التعامل مع الاطراف المعنية بالتسلح النووي أفقد الولايات المتحدة صدقيتها ، وادى الى رسوب اخلاقي فاضح ، لهذا لا تؤخذ اطروحاتها حول سلام العالم بجدية الا من هؤلاء الذين انتهت علاقاتهم بها الى نفذ ثم نفّذ اما المناقشة فهي من المحرّمات. «البقية ص41»

كيف يمكن لعالم منزوع السلاح التدميري ان يعيش بسلام مع دولة نووية تهدد الآخرين وتحول مستقبلهم واجيالهم القادمة الى رهائن؟ وما سمّي توازن الرّعب بدأ يتحول الى فقدان توازن في كوكب تتحكم فيه العلاقات غير المتكافئة ، ولو ارادت واشنطن بالفعل ان تعطي خطابها النووي شحنة من الصدق والجدية لبدأت من تل ابيب ، لكنها لا تفوت مناسبة للتعبير عن الانحياز الكامل لدولة الاستيطان ، فهي الحليف الأبدي المقدس والجعبة النووية المحروسة من اي نقد ، والمسألة اولاً واخيرا ليست في ائتمان هذه الدولة او تلك على سلاح مدمر لا ينجو منه حتى من يملكه ، لان الضمانات الاخلاقية وبوليصات التأمين السياسية لا مجال لها ولا وجود في هذا السياق ، وقد يكون السبب المباشر لهذه النوبات المتعاقبة من الفشل النووي هو ازمة الثقة المتبادلة بين واشطن ومعظم عواصم العالم ، حتى تلك التي تستطيع ان تقول للولايات المتحدة لان فهي تدرك السرعة المتوقعة لاعادتها الى بيت الطاعة الابيض،. لقد فشلت قمم المناخ والبيئة رغم ان الاخطار التي تهدد البشر عابرة للحدود والقوميات ، وقد يكون السبب هو ذاته ، لان الأقوى لا يرى في الاضعف الا وسيلة او اداة ، وحين يسمي العلاقة معه شراكة فهو يضلله ويغويه ويقتاده من انفه الى حتفه.

بيت الداء النووي هو في هذه المساحة الحرجة التي يتم فيها استثناء اسرائيل بحيث يقتنع العالم كله ان المقصود باطروحات السلام العالمي هو شيء اخر غير المعلن ، فمن يهدد السلام ليس من يفكر بالرادع النووي اذا استطاع اليه سبيلا ، بل هو من يمتلك من الذخائر النووية ما يجعل قارة بأكملها على كف عفريت.

والاجدى لأمريكا وحلفائها على اختلاف القياسات والحجوم ودرجة التبعية هو ان تبدأ من أول السطر ، لا من آخر الكتاب ، لان الاستمرار في استثناء اسرائيل من هذا الملف له معنى واحد هو باختصار ان من يزعم بأنه حاميها هو بالفعل حراميها،،.


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة  خيري منصور   جريدة الدستور