لو كان لكل عربي يعيش في اوروبا وامريكا واستراليا صديقان أو ثلاثة وجار واحد يتبادل معه التحية لما بقي المناخ هناك مثقلا بما تزفره الصهيونية ولوبياتها. والأرجح أن معظم العرب المهاجرين بدأوا يشعرون بضرورة التخلي عن فوبيات الخوف والريبة التي حزموها في رؤوسهم مع حقائبهم عندما هاجروا ، لأنهم خسروا كثيرا بسبب السلبية ، والمشي بمحاذاة الجدران لأنهم تعلموا في بلادهم أن لها آذانا تصغي وتشي بهم.
وعندما شاهدنا ذلك اللقاء المؤجل طويلا بين افراد الجاليات الفلسطينية في اوروبا أحسسنا بأن هؤلاء الناس كسروا شرانقهم وتعانقوا في رقصة وطنية على ايقاع نشيد واحد ، لم تصل اليه حتى الآن عدوى التشظية والانشطار الى قطاع وضفة وخطوط بمختلف الالوان ، والدراسات الأكثر رواجا عن المهاجرين العرب الى أوروبا وامريكا بالتحديد يقول أصحابها أن هؤلاء المهاجرين حملوا معهم الخوف المزمن القديم ، لهذا أغلق كل منهم باب داره عليه ، تاركا اللوبي الصهيوني يعبث بالعقول والضمائر ولا يكبحه شيء.
من سمعناهم وشاهدنا رقصتهم الوطنية المفعمة بالعنفوان يعرفون الفرنسية والالمانية والانجليزية والاسبانية ، لكنهم لا يرطنون بالعربية التي رضعوها ومن ثم أرضعوها لأبنائهم ، الأغاني الشجية التي رددوها قطعت بحارا وآلاف الأميال دون ان تفقد شيئا من سحرها ووهجها ، فهم محرومون من الحياة في عقر وطنهم لكنهم يحملونه معهم حيثما حلوا ولسان حالهم يقول مع بدر السياب..
غنيت تربتك الحبيبة
وحملتها فأنا المسيح يجرّ في المنفة صَليبهْ.
ان صقيع الغربة ووحشة الدروب لم يطفئا النار بين ضلوعهم ، واذا كان شعارهم المفتاح فإن الأبواب والأقفال التي تتدلى عليها علاها صدأ الاحتلال ، وشملت العبرنة أسماء شوارع وأزقة وحوانيت ومدارس وقرى وجوامع وكنائس.
أما الستون عاما بكل ما زخرت به من جفاف ويباب ، وانتظار عقيم فهي ليست الزمن كله ، وقد تكون مجرد جملة معترضة في كتابه الخالد، وقد جربنا جميعا كيف يحس العربي بالعربي في تلك المهاجر لمجرد أن يشم رائحته.
فهو يأنس به والوطن أحيانا لا يحتاج الى أكثر من اثنين.. فهو البذرة قبل الغابة وقطرة المطر قبل المحيط ، فهل اهتدى هؤلاء الغرباء الى أنفسهم وتحصنوا بأبجدية لا تقبل التعجيم أو التهويد والعبرنة مثلما رفضت ولفظت من قبل كل محاولات احراف اللسان؟.
ان المناخات المشحونة بالعداء والتحريض ضد العرب المهاجرين تعيد انتاحهم وجدانيا فيشعروا بأنهم أكثرية لا أقلية بمقياس آخر غير رقمي ، ومن رحل من هؤلاء حاملا تاريخه على ظهره كالحطاب حسب تعبير شجي للشاعر الراحل محمد الماغوط بدأ الآن يتحسس موقع القدمين ، والرأس فوق الكتفين ، فالمنفى لا يعود الى وطنه إلا اذا عاد الى ذاته أولا ، والرهان الاستيطاني على فقدان الذاكرة الوطنية خسر مرات عديدة ، وسيظل يواصل الخسارة لأنه يستلهم أدبياته من الخرافة وليس من التاريخ،.
هؤلاء المنفيون يحملون في صقيع أوروبا شموسا لا تقهر ، لكنها هجعت طويلا قبل اندلاعها في هذه الظهيرة الأفصح من أي غروب،،.
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة خيري منصور جريدة الدستور