لا بد أن مجتمعاتنا مرت بظروف بالغة العسر والفظاظة بحيث وعظنا أسلافنا بأن نتقي شر من نحسن اليه ، وكنا نتمنى لو أن الحال كان غير ذلك فأوصونا بأن ننتظر شكر من نحسن اليه ، وحبذا لو أننا ورثنا عنهم عكس ذلك البيت الملغوم من الشعر وهو:

اعلمه الرماية كل يوم

وحين اشتد ساعده رماني

فأصبح كلما اشتد ساعده حماني،

والحكم والمواعظ والامثال مفاتيح ذهبية لقراءة الماضي ، لأنها اختزلت خبرات مكثفة عبر العديد من الاجيال ، وحين فكرت ذات يوم في عنوان لكتاب له صلة بالأدب المقاوم قبل ثلاثين عاما ، لم أجد أفضل من الكف والمخرز ، لأقول بأن الكف تستطيع ان تقاوم مخارز الكون كلها ، اذا اهتدت الى وظائفها بدءا من الرسم والكتابة والنحت والعزف حتى الضغط على الزناد،

ومن علمونا أن عصفورا في اليد خير من عشرة على الشجرة ورطونا بواقعية زواحفية محرومة من التحليق ، لأن عصفور اليد قد يكون ميتا أو مهيض الجناحين ، وهو تعبير عن التحقق مقابل التعبير عن الممكن والذي تجسده العصافير العشرة التي تغني على الشجرة ، ان من قبل الكلب من فمه وتحمل لعابه من أجل أن يأخذ حاجته منه خسر نفسه مثلما خسر الحاجة الوهمية التي ظن أنه ظفر بها ، ومن مشى بمحاذاة الجدار لأن له أذنين صالحتين للوشاية تحول الى شجرة لبلاب ، وفقد عموده الفقري وقدرته الذاتية على الوقوف ، ومن اتبع نصائح جحا دفع الثمن لأن الخطر الذي يطرق أبواب أبعد بيت في الوطن سيصل حتما الى غرفة نوم جحا وسلالته الخرقاء.

ومن مد ساقيه بطول فراشه القصير ثم اضطر الى أن ينام القرفصاء ولا يجلسها فقط ، تصلبت بمرور الوقت شرايين ساقيه وضمرتا،

ومن أخذ من جائع ثمن الرائحة بعد رفضه أن يقبل رنين القرش أورث ابناءه الفقر ، لان الخوف من الفقر انكى منه واشد خطرا على الانسان،

ومن قال ليأت بعدي الطوفان سواء كان امبراطورا او زعيما او مجرد انسان اناني جاء الطوفان بالفعل لكن ليجرف عظامه في القبر ويغرق احفاد احفاده،

نحتاج الى غربال مشدود وضيق الثقوف كي ننقي موروثنا من شوائب القهر والاستلاب والاثرة ، لان ما مر به وطننا العربي من قهر وزجر واحتلالات وارتهانات واستعباد واستبداد رسخ في الذاكرة واللاوعي حمولة

من المواعظ والحكم المسممة بالانانية وثقافة الاحتكار والاقصاء المتبادل .

لقد كان جديرا بمن نعلمه الرماية ان يحمينا لا ان يرمينا ، وبمن احسنا اليه ان ننتظر خيره وليس شره ، وهذه التربويات التي نحقن بها اجيالا ندفع ثمنها في النهايات.. ولو قرأ الناس جيدا ما كتبه د. صادق جلال العظم واخرون بعد هزيمة حزيران تحت شعار النقد الذاتي لعرفوا ان الهزائم لا تلحق بالجيوش فقط ، فقد يكون المهزوم مجتمعا برمته ، وبمجمل امثاله وثقافة الخوف التي يتوارثها؟

والسؤال اولا واخيرا هو اين علماء الاجتماع العرب؟ وهل كان ابن خلدون رجلا عاقرا؟؟


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة  خيري منصور   جريدة الدستور