هناك شعار معروف رفعه والتزم به من لا يعرفون النحو العربي وشعابه هو سكّن.. تَسْلَمْ ، اي لا تحرك أواخر الكلمات ، ومقابل هذه الشعار ثمة آخرون بحثوا عن النجاة والسلامة من نافذة أخرى ، هي التعميم وبالتالي التعويم كالحديث عن النظام السياسي العربي باعتباره نظاما متجانسا ، أو عن الفساد بمعزل عن الفاسدين أو عن الفقر بمعزل عن العوامل التي أنتجته ، وأكثر ما يستوقف المراقب حول هذا التعميم الآن هو الكلام عن الاستبداد والمجتمع الباترياركي أو الأبوي ، وكأن الاستبداد هو ذاته منذ كتب عبدالرحمن الكواكبي عن طبائعه في القرن التاسع عشر الى أن أصبح له صنائع تبحث عمن يكتب عنها في القرن الحادي والعشرين ، وهناك دول كبرى عرفت الاستبداد كالاتحاد السوفييتي في الحقبة الفولاذية أو مرحلة ستالين ، لكنه استبداد اقترن بمشاريع وغالبا ما قدمت الذرائع لهذا النمط من الاستبداد من أجل البناء واستكمال عناصر القوة والدفاع ، بالمقابل هناك أنماط من الاستبداد التي لا تقترن إلا بأمرين الهزيمة والفقر وبالتالي الهدم لكل ما هو قائم ، وليس معنى هذا الاقرار بأن هناك مستبدا عادلا ، لأن الاستبداد في النهاية يصبّ في الهاوية ذاتها ويحرم البشر من تحقيق ذواتهم ويحولهم الى قطعان.
لكننا مضطرون أحيانا لتكرار ما قاله الشهيد غسان كنفاني في احدى رواياته وهو خيمة عن خيمة تغرق ، ما دامت هناك المخروطية ذات الباب الواحد ، والواسعة متعددة الأعمدة والأبواب ، اما التعميم المتصل بالباترياركية أو المجتمع الأبوي فهو يحذف فارقا أساسيا بين نظامين يحملان الاسم ذاته ، لأن هناك باتريارك يعيش على عرق أبنائه وأحفاده ولا يقدم لهم الأمان أو العون ، لكنه يطالبهم بالطاعة الأبدية ويضرب عليهم نمطا من الوصاية يحرمهم من بلوغ سن الرشد مقابل باتريارك يغدق على أبنائه وأحفاده ويقدم لهم العون وان كان يطالبهم أيضا بالطاعة ثمنا لذلك.
هذا التعميم شمل الفقر والجهل أيضا ، إذ ليس من المعقول أن يدرج شخص لا يملك سيارة أو منزلا مع آخر لا يملك ثمن العشاء في خانة واحدة ، فالفقر ليس مساحة متجانسة لهذا قلنا مرارا أنه أصبح بحاجة الى اعادة تعريف ، فمن كان يسمى فقيرا قبل أربعين سنة ليس هو فقير هذه الأيام وحسنا فعل أسلافنا عندما أضافوا الى كلمة الفقر صفة المدقع ، ثم استدركوا وأضافوا المعدم،.
ان فلسفة حذف النقاط عن الحروف تهدف الى التعمية وخلط المفاهيم والأوراق معا ، فالغابة هي في النهاية مجموعة من الأشجار وليست شجرة واحدة عملاقة ، وكذلك سرب الطيور أو قطيع الغنم.
نحتاج الى قدر من تفكيك ما سماه ارنست همنجوي ساخرا ورقة الألف دولار ، كي نصل الى التفاصيل المهملة والمسكوت عنه ، لكن من قرروا النجاة والسلامة بتسكين أواخر الكلمات بدءا من سعد زغلول لم يخلقوا لنا نحوا بديلا وظلت الكلمات تتحرك وفق قواعد لغتها ، تماما كما أن دعاة التعميم من أجل التعويم والتعمية لن ينجحوا في ابقاء الحقائق المتصلة بالتفاصيل أو بحصى النهر كما يقال حتى بعد جفافه مهجورة وطي النسيان. ان تلك الفلسفة كرست أشباها على حساب الأصول ودفعتنا الى أن نوشك على التصديق بأن العصا ناي والقرد غزال،،.
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة خيري منصور جريدة الدستور