ولقد حذر سلفنا الصالح
رحمهم الله ، من زلات العلماء ، فالعالم عندما يخطىء ، لا يقتصر خطؤه على نفسه ، بل
يتعداه لغيره ، ويتابعه عليه جمع غفير من الناس .. ممن يتتبعون رخص العلماء
وهفواتهم وزلاتهم .. معللين ذلك بقولهم: خذها من عالم ، واطلع منها سالم .. أو ضعها
في عنق عالم ، والق الله سالم ..
ألا يعلمون أن هذا العلم
دين ، فيجب أن نأخذه عمن يتقي الله ... لأن العالم هو من اتقى الله ...
(
وإنما يخشى الله من عباده العلماء ) ..
ودينك لحمك ودمك ... فانظر
عمن تأخذ دينك .. هو رأسمالك ... الذي به تلقى الله تعالى ...
ولذلك قيل: إذا زل العالم
ـ بكسر اللام ـ ، زل العالم ـ بفتح اللام ـ ، أو زلة العالم ، زلة للعالم ..
وقالوا أيضاً: العالم
كالسفينة ، إذا كسرت غرقت ، وغرق معها خلق كثير ...
وقال فاروق الإسلام
العبقري الملهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه: " ثلاث يهدمن الدين: زلة عالم ،
وجدال منافق بالقرآن ، وأئمة مضلون " .. وقال سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه
وأرضاه:
" قصم ظهري رجلان: عالم
متهتك ، وجاهل متنسك " ..
وقال حبر الأمة وترجمان
القرآن ، عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: " ويل للأتباع من زلة العالم ! " ،
قيل له: وكيف ذلك ؟ قال: "
يقول العالم الشيء برأيه ، فيلقى من هو أعلم منه ، فيخبره ويرجع عن رأيه ، ويقضي
الأتباع بما حكم " .. وربما هذا العالم اجتهد فأخطأ دون عمد ، فله أجر ، فعلى
المسلمين أن يتحروا الصواب ، ولا يتابعوا أحداً في الخطأ ..
"
فالحلال بين ، والحرام بين ، وبينهما أمور مشتبهات ، لا يعلمهن كثير من الناس ، فمن
اتقى الشبهات ،
فقد استبرأ لدينه وعرضه ،
ومن وقع في الشبهات ، فقد وقع في الحرام ... الحديث الشريف " ...
و "
دع ما يريبك ، إلى مالا يريبك " .. دع الشك ، وخذ
اليقين ..
و"
البر حسن الخلق ، والإثم ما حاك في صدرك ، وكرهت أن يطلع عليه الناس
" ... و"
البر ما اطمأنت إليه النفس واطمأن إليه
القلب ، والإثم ما حاك في النفس ، وتردد في الصدر ، وإن أفتاك الناس وأفتوك
" ،
"
وإن أفتاك المفتون
" ...
فالذين يتتبعون الرخص ،
وزلات العلماء ، يعلمون يقيناً في قرارة أنفسهم ، ما هم فيه من المخادعة ، واتباع
الهوى ، ولكنهم يبحثون عن ستار يتدثرون به ، ويكفون به ألسنة الناس عن ذمهم ...
وعامل الناس بما تحب أن
يعاملوك به ، فهل ترضى أن يعاملوك بما تعاملهم به ؟
ويقول الصحابي الجليل عبد
الله بن مسعود رضي الله عنه: " ما رآه المؤمنون حسناً ، فهو عند الله حسن ، وما رآه
المؤمنون قبيحاً ، فهو عند الله قبيح ... وذلك لأن الأمة لا تجتمع على ضلالة ..
لأن (
أمرهم شورى بينهم ) ...
فتتبع الرخص ، والتلفيق
بين المذاهب ، حرمه العلماء بلا دليل شرعي راجح ... وإليك بعض أقوالهم في ذلك:
قال سليمان التيمي ( ت 143
هـ ) رحمه الله: " لو أخذت برخصة كل عالم ، لاجتمع فيك الشر كله "، وقال ابن عبد
البر رحمه الله ، معقباً على هذا الكلام:" هذا إجماع ، لا أعلم فيه خلافاً " ..
وقال الإمام الأوزاعي
( ت 157 هـ ) رحمه الله: "
من أخذ بنوادر العلماء ، خرج من الإسلام " والعياذ بالله تعالى .. وقال الشيخ
إبراهيم بن شيبان القرميسيني ( ت 337 هـ ) رحمه الله: " من أراد أن يتعطل ويتبطل ،
فليلزم الرخص " ..
وحكى الإمام ابن حزم
الأندلسي ( ت 456 هـ ) ، وابن عبد البر ، والباجي ، وابن الصلاح ، رحمهم الله تعالى
الإجماع على أن تتبع رخص
المذاهب ، بغير مستند شرعي ، فسق لا يحل " .. بل يحرم ...
فموضوع الفتوى دقيق جداً ،
ولا يجوز لأي إنسان أن يفتي ، بل لا بد من وجود الأهلية والتخصص والتثبت في الفتوى
.. " ولذلك قالوا: لا تفت بما قرأت البارحة ..
و"
أجرؤكم على الفتيا ، أجرؤكم على النار " وأجرؤا الناس على
الفتيا ، أقلهم وأدناهم علماً ...
وكما يقول ابن عباس رضي
الله عنهما: " إن رجلاً أجاب عن كل ما يسأل ، إنه لمجنون " ..
وكان ابن عمر رضي الله
عنهما يقول للسائل: أتريد أن تجعل ظهري جسراً لجهنم ؟! ...
وكان الصحابة الكرام
رضوان الله عليهم ، إذا سئل أحدهم ، أحال السائل إلى أخيه ، وود أن يكفيه الإجابة
.. وكان الإمام مالك بن أنس رحمه الله ، أمير المؤمنين في الحديث ، وإمام دار
الهجرة ، الذي قيل عنه:
( لا يفتى ومالك في
المدينة )، كان يسأل المسائل الكثيرة ، فيجيب عن بعضها ، ويقول في الباقي: الله
أعلم ... وقد سئل الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم ، عدة مرات ، فقال: لا أعلم ..
(
وفوق كل ذى علم عليم ) ،
(
وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً ) ...
وقال أنس بن مالك رضي الله
عنه: " إنكم تسألون السؤال ، فتجيبون عنه ، لو سئل عنه عمر بن الخطاب ، لجمع له
الصحابة ... وإنكم تعملون الشيء ، ترونه كالشعرة ، كنا نعده على عهد رسول الله صلى
الله عليه وسلم ، من الكبائر ... فهناك فتوى ، وهناك ورع وتقوى .. ولا تنظر إلى صغر
المعصية ، ولكن انظر إلى من عصيت .. كما يقول التابعي الجليل بلال بن سعد رحمه الله
تعالى ... فلا صغيرة مع الإصرار ، ولا كبيرة مع الاستغفار .. وفعل الصغيرة ، ربما
يجر إلى فعل الكبيرة ، وترك السنة ، ربما جر إلى ترك الفريضة .. وهكذا..
ولو أن العلماء اتفقوا على
أنه لا ينكر على من فعل مكروهاً ، أو ترك سنة ، ولكن كان السلف الصالح رضوان الله
عليهم ، يسقطون شهادته ، ولا يقبلون روايته ...
وبعد:
فقد كثر في الآونة
الأخيرة المفتون ، والمفتيات... والجرأة على الفتوى ، بغير علم ولا تثبت .
وذلك إما بدافع الجرأة على
دين الله ، والتشويش على المسلمين ، وإما بدافع الشهرة ، من باب
( خالف تعرف ) ، وذلك
ابتداء من طه حسين ، عندما أنكر الشعر الجاهلي ، تبعاً لأستاذه الحاقد
( مرجليوث ) وأنكر وجود
إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام ، وغير ذلك ، ليصبح بعدها ، عميداً للأدب العربي ،
وليس بذاك .. فهناك من هو أولى وأحق منه بهذا اللقب .. وكذلك عندما أصدر علي عبد
الرازق كتاب: الإسلام وأصول الحكم ، وقرر فيه أن الإسلام غير صالح للحكم ، وتقرير
مبدأ العلمانية اللادينية ، بفصل الدين عن الدولة والحكم والحياة ... وسحب الأزهر
شهادته ، ورد عليه كثير من العلماء الغيورين على هذا الدين العظيم ، الذي هو منهج
حياة ، وقانون إلهي ، صالح لكل زمان ومكان ، والتاريخ والواقع يثبت ويؤكد ذلك ...
وفي الحقيقة ، فإن كتاب الإسلام وأصول الحكم ، لم يكن من تأليف علي عبد الرازق ، بل
كان لمجموعة من الناس ، على رأسهم طه حسين ... وكذلك ألف خالد محمد خالد كتابه: من
هنا نبدأ ، وأجاز فيه أن تتولى المرأة الولاية العامة ، ناسفاً بإجماع العلماء ،
وحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ، الذي رواه البخاري في صحيحه:"
ما أفلح قوم ولوا أمرهم امرأة " عرض الحائط ..
فرد عليه العلامة الداعية
المفكر الأديب الشاعر محمد الغزالي رحمه الله تعالى ، وألف كتاباً في الرد على
كتابه ، وتفنيد حججه : ( من هنا نعلم ) ... كما رد عليه الشيخ الجليل عبد الحميد
كشك رحمه الله ، في إحدى خطبه ... ثم تاب الأستاذ خالد محمد خالد ، ورجع عن آرائه
تلك .. رحمه الله تعالى ... وكذلك عندما أفتى الشيخ محمود شلتوت شيخ الأزهر ، بوفاة
عيسى عليه السلام ، ورد عليه كثير من العلماء ، ثم رجع عن ذلك قبل وفاته رحمه الله
...
وكذلك ألف نجيب محفوظ
كتابه: ( أولاد حارتنا ) والذي أساء فيه إلى الإسلام والمسلمين ...
ونال عليه جائزة نوبل
اليهودي للآداب ، في عام (
1988 م ) ، ورد عليه كثير من العلماء والأدباء ، ومنهم الشيخ عبد الحميد كشك ، وذلك
في كتابه: ( كلمتنا في الرد على أولاد حارتنا ) .. وكذلك رواية ( وليمة لأعشاب
البحر ) لحيدر حيدر ، التي نشرها وزير الثقافة المصري فاروق حسني ، ولا أدري ما
الذي أعجبه فيها !! ورد على الرواية الأديب والشاعر الإسلامي الدكتور جابر قميحة
حفظه الله ، في كتابه: رواية: وليمة لأعشاب البحر في ميزان الإسلام والعقل والأدب
.. كما رد عليها مجمع البحوث الإسلامية في الأزهر الشريف .. ووجه العلامة الشيخ
الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي حفظه الله ، رسالة إلى وزير الثقافة المصري ،
يعاتبه فيها على نشر هذه الرواية ...
وهناك كثير أساؤوا للإسلام
... وهم ممن يدعي الإسلام ... ومنهم نصر حامد أبو زيد ، وحسن حنفي ، وسعيد العشماوي
، وحسين أحمد أمين ، ونوال السعداوي ، هذه العجوز الشمطاء ، التي تجاوزت حدها
كثيراً ، والتي رد عليها الشيخ كشك رحمه الله في إحدى خطبه ، والأستاذ ياسر أحمد
فرحات في كتابه: مواجهة مع نوال السعداوي ... وفاطمة المرنيسي المغربية ، وكاتب
ياسين الفرنسي الجزائري ، الذي قال عنه الشيخ محمد الغزالي رحمه الله ، عندما علم
بوفاته: كان ميتاً وهو حي ، أوهو ميت قبل أن يموت ، ومحمد أركون الفرنسي الجزائري ،
وعابد الجابري ، وسيد القمني ، ومحمد شحرور المهندس السوري ،الذي رد عليه كثيرون ،
ومحمد التيجاني السماوي التونسي ، الذي رد عليه الشيخ عثمان بن محمد الخميس ، في
كتابه: كشف الجاني محمد التيجاني في كتبه الأربعة ، وغيرهم كثير ... وقد رد عليهم
كثير من العلماء والأدباء ...
وكما قال أحد الدعاة: أنا
لا أخشى على الإسلام من أعدائه ، ولكني أخشى عليه من أدعيائه ... فهؤلاء هم الطابور
الخامس ، وسماهم البعض بالملحدين الجدد ... ورحم الله الأديب والصحفي والداعية
المفكر أنور الجندي ( 1917 ـ
2002 م ) الذي كان سيفاً مصلتاً على هؤلاء ، وأمثالهم ، ولذلك تجاهلته وسائل
الإعلام
..
وأخيراً ... وليس آخراً :
تصريح وزير الثقافة المصري
، والفنان المصري العجوز المتصابي حسين فهمي ... بأن الحجاب ، جمود وانطواء ، ورجعة
إلى الوراء ... نعم رجعة إلى الوراء ، إلى عهد الطهر والصفاء ، عهد الرسول صلى الله
عليه وسلم ، وصحابته الكرام رضوان الله عليهم ، وسلفنا الصالح رحمهم الله تعالى (
وإن إلى ربك الرجعى )
ومبارك عليكم هذا التقدم ،
ولكن نحو الهاوية ، اقتداء بفرعون إمام التقدمية : الذي (
يقدم قومه يوم القيامة فأوردهم النار وبئس الورد المورود
) ، وآخر الفتاوى التي أثارت استفزاز المسلمين ، هي فتوى الشيخ
عزت عطية
..
" بجواز إرضاع الموظفة لزمليها في العمل لمنع وجودهما في خلوة
شرعية "
..
الله يفتح عليك يا مولانا
... لقد سبقتك بها هالة سرحان ...
والتي قرر المجلس الأعلى للأزهر ، في خطوة إيجابية منه ، إيقاف رئيس قسم الحديث
بكلية أصول الدين بالقاهرة الدكتور عزت عطية عن عمله وإحالته إلى مجلس التأديب
للتحقيق معه حول فتواه ...
والتي رجع عنها ، وعاد إلى رشده وصوابه ، وإجماع العلماء
، في عدم جواز ذلك ...
وهناك من يفتي بالإشهاد
على الطلاق ... مخالفاً بذلك المذاهب الأربعة ... وعدم لعن الشيطان ، الذي لعنه
الله إلى يوم القيامة .. (
وإن عليك لعنتي إلى يوم الدين
) ... وإنكار الشفاعة ، كما فعل الدكتور مصطفى محمود ..
وإنكار السنة ، من قبل
أناس يسمون بالقرآنيين ، وماهم بالقرآنين ، فهم ينكرون القرآن أيضاً ، الذي يأمر في
العديد من آياته المحكمات ، بطاعة واتباع الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام ..
ولا أدري إلى متى سيتجرأ
الناس على الفتوى ، دون محاسبة أوعقوبة ...
نصيحة:
( أيها الناس ، أما وجدتم
غير دين الله لتحاربوه !!! ألا تعلمون أن الله ناصر دينه وحافظه وحاميه وحارسه ؟!
(
والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون ) و (
إن ربك لبالمرصاد ) و (
ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين
) ... و(
حسبنا الله ونعم الوكيل ) ، ولا حول ولا
قوة إلا بالله العلي العظيم ... و (
إنا لله وإنا إليه راجعون
) ... فتوبوا إلى الله قبل أن تموتوا ... قبل أن تندموا ولا ينفعكم الندم ... ولات
حين مندم ...
نسأل الله لنا ولكم التوبة
والهداية إلى الحق والصواب ، فالرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل ..
كما يقول الفاروق عمر رضي
الله عنه ، الذي كان يفرق بين الحق والباطل ، والاعتراف بالذنب فضيلة ..
" وكل ابن آدم خطاء ، وخير
الخطائين التوابون " ... ولكن هناك فرق بين الخطأ والخطيئة ، فالخطأ يكون عن غير
عمد ، أما الخطيئة ، فيكون صاحبها متعمداً فعلها ...
وإن كنت لا تدري فتلك
مصيبة وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم
واسألوا أنفسكم : لصالح من
تفعلون ذلك ؟؟؟
المصادر:
من مراجع هذه المقالة
المتواضعة ، كتاب: زجر السفهاء عن تتبع رخص الفقهاء لمؤلفه الشيخ جاسم الفهيد
الدوسري الكويتي ، وإني أنصح بقراءة هذه الكتيب النافع والمفيد ...
