لمدة يومين بقي الدوام معلّقاً في جامعة الحسين في معان، بعد مشاجرة عنيفة بين عشيرتين استخدمت فيها الأسلحة البيضاء داخل الجامعة، وتم التلويح بالأسلحة النارية خارجها، إلى أن عاد الهدوء لاحقاً، ورجع الطلاب إلى محاضراتهم، لكن بحذر وترقب من الجميع!
لكن الأزمة تتطور وتأخذ أبعاداً اجتماعية وعشائرية، فيما يغيب المسؤولون تماماً عن الحدث، ويدور أهالي الطلبة بين الجهات الرسمية المختلفة بحثاً عمن يمكن أن يتحدثوا معه، فلا يجدون!
هل جامعة الحسين تقع في كوكب المريخ أم أنّ رفع المسدسات والسلاح الأبيض والمشاجرات داخل الجامعة وخارجها مسألة بسيطة لا تتطلب استنفاراً من إدارة الجامعة والمسؤولين واتصالات مباشرة من كبار المسؤولين في الدولة والحكومة للعمل لإنهاء الأزمة وتوقيع أشد العقوبات بالمتسببين بما حدث!
المفارقة في كل ما يجري حالياً أنّنا لم نسمع صوتاً لرئيس الجامعة، فضلاً عن وجود دور محوري وحيوي له لتطويق الحادث وتوجيه رسالة شديدة بحسم الجامعة ضد هذا العبث الذي يلغي معناها وهويتها وأهميتها، ويجعلها بلا أي قيمة حقيقية سوى مكان للحصول على شهادة، ومن ثم الانضمام إلى صفوف البطالة!
أين رئيس الجامعة؟ ألا يستحق مثل هذا الحدث أن نستمع لمعاينته للضرر المادي والرمزي والثقافي الذي حدث في جامعته، وليس في جامعة أخرى؟!
كنا نتوقع أن يستمع الرأي العام إلى خطاب أو تصريح من رئيس الجامعة، يشرح فيه ملابسات الموضوع، ويعد بألا يتكرر، ويعيد التأكيد فيه على موقع الجامعة في المجتمع ودورها، وعدم الرضوخ لأي وساطات أو محسوبيات لإغلاق الملف من دون عقوبات حقيقية ورادعة للمسيئين.
لمثل هذه الأسباب نصرّ على استقلالية الجامعات واختيار من هم على درجة من الكفاءة والخبرة والحسم والشخصية الكارزمية، حتى يعودوا بالجامعات لتكون محاضن تعليمية وعلمية وثقافية، وكي يكونوا على قدر من الأهلية لتوجيه رسائل واضحة وصارمة بعدم قبول مبدأ العنف الجامعي وبإقرار عقوبات حاسمة تكون عبرة ودرسا للآخرين، وتقطع الطريق أمام هذه الفوضى غير المقبولة التي تهز سمعة الجامعات ومكانتها لدى طلابها وأساتذتها قبل الرأي العام.
عندما حدثت مشاجرة في إحدى الجامعات الرسمية تسببت بأحداث عنف وشغب تجاوزت أسوار الجامعة، وما تزال أثارها إلى اليوم، اتصل معي بعض الزملاء المدرسين بالجامعة، يتساءلون عن الأجواء التي يمكن أن يعملوا بها، وهم يرون بعض الطلبة يتناولون المخدرات في مرافق في الجامعة، ويقسم بعض الزملاء في تلك الجامعة أنهم كانوا يفصلون الطالب من الصفوف التي يدرسّون فيها، ثم يتفاجأون به اليوم التالي في الصف بقرار من رئاسة الجامعة!
الجامعات والتعليم العالي عنوان وطني مهم، بل مفتاح للأمن الوطني والمجتمعي، وتلك مساحة أساسية وليست ثانوية في رسم ملامح المستقبل والطريق إليه، وإذا خسرنا الجامعات وقبل ذلك التعليم الحكومي في المدارس، فسنكون قد خسرنا كل شيء، ومن المؤسف القول أنّ الخط البياني الحالي يسير نحو الأسوأ، فيما لا يوجد ما يوحي بانعطافة حقيقية نحو تغيير جذري، سوى وجود بعض رؤساء الجامعات المؤهلين في بعض الجامعات، وهذا بالتأكيد ليس كافيا لتصحيح المسار الكلي.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  تصنيف محمد ابو رمان   جريدة الغد