فقط ما يزيد على شهرين حتى باتت حكومة د. معروف البخيت تتخبّط وسط أمواج سياسية عاتية، وتختنق بالأزمات، وتتحضّر لاحتمالات الرحيل المبكّر، وهي الحكومة التي جاءت بهدف تهدئة الغضب الشعبي على الحكومة السابقة والتحضير لإصلاح سياسي "حقيقي".
المفارقة أنّ هذه الحكومة جاءت بعد مرور شهر واحد تقريباً على تشكيل حكومة سمير الرفاعي الثانية، التي كادت أن تواجه "هبّة شعبية" شرسة، على إثر ارتفاع حدّة الحراك السياسي الداخلي، والحركات الاحتجاجية، والانتقادات لبرنامجها الاقتصادي.
مجلس النواب، نفسه، لم يمض على "انتخابه" سوى بضعة أشهر، حتى أصبح يلوح "شبح الحل" أمامه، كما حصل مع المجلس السابق، الذي عمّر نصف المدة الدستورية تقريباً.
العلّة، إذن، باتت واضحة، ولا تكمن بهذا الرئيس أو ذاك، سواء اتفقنا معهم أو اختلفنا معهم، ولا في "أشخاص" مجلس النواب الحالي والسابق، بل هنالك "خلل مصنعي" جلي في تركيبة المعادلة السياسية نفسها، ما ينتج هذه الأزمات والضغوط الشعبية والسياسية والارتباك في التعامل مع الملفات الشائكة والأزمات المتتالية.
ولعلّ إدراك "صانع القرار" لهذه المشكلة هو الذي دفع إلى "استثمار" الحالة الإقليمية الجديدة للإعلان عن الرغبة بـ"مرحلة جديدة" مختلفة تماماً عن المرحلة الحالية، في شروطها وتكوينها، حتى نخرج من هذا الاستنزاف السياسي ومن "الحلقة المفرغة" التي باتت الحكومات والمجالس النيابية تدور فيها.
بذلك؛ يبدو الحل اليوم ليس برحيل حكومة أو مجيء أخرى، أو فقط بقرار لحل مجلس النواب، ثم الإتيان بمجلس جديد يعاني الأزمات نفسها، بل بترسيم القواعد الجديدة للعبة السياسية من خلال توسيع مساحة المشاركة السياسية وتعزيز الحضور الحزبي واستقلالية السلطات وإعادة هيكلة ديناميكية عمل مؤسسات الدولة المختلفة. هنا، تحديداً، تبدو أهمية ما يمكن أن ينتج عن لجنة الحوار الوطني من مخرجات أساسية، سواء على صعيد المبادئ الحاكمة للعمل السياسي، أو التعديلات الدستورية التي تعيد التوازن للسلطات وتكريس استقلاليتها، أو قانوني الانتخاب والأحزاب، وهما "حجر الرحى" في المرحلة المقبلة.
تكثيف مخرجات لجنة الحوار وخطتها الزمنية وتقديم تصورها في أسرع وقت ممكن لصانع القرار والرأي العام بمثابة "المفتاح الذهبي" الوحيد، حالياً، الذي ينطلق نحو تفكير جدّي في المستقبل ويخرجنا من الجدل البيزنطي الدائم، وينهي مسارات الابتزاز والاستقواء على الدولة من هنا وهناك، ويمضي بنا نحو اشتباك فوري وسريع مع المشكلات والتحديات الحقيقية، مثل التحدي الاقتصادي والأزمة المائية ومصادر الطاقة والبطالة والفقر والتعليم والتنمية.. إلخ.
المتوقع من لجنة الحوار أن تمنحنا، سريعاً، "وصفة توافقية وطنية" للمسار المقبل، الذي يكفل تجديد النظام السياسي، ويتأسس على قانون انتخاب يؤدّي إلى مجلس نواب يحظى بحضور حزبي وسياسي، ومن ثم حكومة برلمانية مسؤولة، لديها برنامج واضح، تأتي على أساسه بموافقة شعبية.
إلى الآن، مجريات عمل لجنة الحوار جيّدة، بالرغم من بقاء الأمل بالتحاق الحركة المعارضة الرئيسة في البلاد (حزب جبهة العمل الإسلامي)، وقد توافقت اللجان الفرعية المختلفة، مبدئياً، على مسودة للمبادئ التي تحكم الإصلاح وما تقتضيه من تغييرات نوعية وتعديلات دستورية وتشريعات أساسية، وقانون انتخاب مختلط يعتمد القائمة والصوت الواحد معاً، ومرجعية القضاء وهيئة مستقلة لإدارة الانتخابات، وقانون أحزاب مرن.
بانتظار النتائج النهائية، فإنّ التخوف من أن تلقى وثائق هذه اللجنة مصير اللجان السابقة يبدو مرتبطاً بـ"مطبخ القرار"، والضمانة الحقيقية والعملية أنّ المعادلة الحالية المستنزفة للجميع لم تعد قابلة للاستمرار، وأنّ الحل الوحيد هو إطلاق الحياة السياسية من عقالها.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  تصنيف محمد ابو رمان   جريدة الغد