الإسراء والمعراج من القضايا المرتبطة بالعقيدة الإسلامية، باعتبارها إحدي معجزات النبي محمد ـ ص ـ الدالة علي نبوته في عصر العلم، وقد وقعت هذه المعجزة في شهر رجب . وحتي يمكننا الوصول إلي تلك الحقيقة، فلابد من الوقوف علي المعني ابتداءًا . فالإسراء لغة: مصدر أسري . والإسراء: السير ليلاً . والإسراء إصطلاحاً: انتقال النَّبيّ محمد صلَّى الله عليه وسلَّم ليلاً، من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى. والإسراء: اسم سورة من سور القرآن الكريم، وهي السُّورة رقم (17) في ترتيب المصحف، مكِّيَّة، عدد آياتها (111) آية . وقد ورد في القرآن الكريم ـ الكتاب المقدس عند المسلمين ـ قوله تعالي: " سُبْحانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الحرامِ إلى الْمَسْجِدِ الأقْصَى " (آيـة 1 ـ من سورة الإسراء) . وقوله تعالي: " فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلاً إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ " سورة الدخان ـ آية (23) . أما المعراج لغة: المِصْعَدُ والسُّلَّم، والعروج: الصعود والإرتقاء . والمعراج اصطلاحاً: ما صَعَد عليه النَّبِيّ صلَّى الله عليه وسلَّم إلى السَّماء لَيْلَةُ المعراج . وفي القرآن الكريم قوله تعالى: " وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فيه يَعْرُجُونَ * لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ " (الحجر: 14 – 15) . والإسراء والمعراج كمعجزة تعني انتقال النبي محمد صلي الله عليه وسلم ليلاً من مكة إلي المسجد الأقصي ثم الصعود إلي السماء السابعة والعودة في نفس الليلة .

وقد ثار جدل عقيم بين قدامي العلماء حول ما إذا كان ذلك قد حدث بالروح فقط أم بالروح والجسد معاً . وما كان لهذا الجدل أن يثور لولا استصعاب أن يحدث ذلك بالجسد، وعدم قدرة العقول في حينه علي استيعاب الحدث علي هذا النحو . ولو أنهم نظروا في الجدل الذي أثاره كفار قريش حول القضية لأدركوا أن لو المسألة كانت بالروح فقط لما تناقشوا فيه، ولا تجادلوا، حيث لا جدال في الرؤيا، وإنما ثار الجدل لأن الأمر قد وقع بالروح والجسد معاً . هذا من ناحية . ومن ناحية أخري ثارت إشكالية بشأن الزمن الذي استغرقته الرحلة . فقد قال الكفار أنهم يضربون إليها أكباد الإبل شهراً، والنبي قال أن المعجزة بشقيها قد وقعت في جزء من ليلة واحدة . ولعل في رد الكفار الوارد في كتب السيرة أبلغ رد علي الكتور يوسف زيدان، فيما ذهب إليه مؤخراً، من أن المقصود بالمسجد الأقصي هو مسجد آخر بخلاف المسجد الأقصي الموجود في القدس، لأن المسجد الآخر لا يستغرق الوصول إليه شهراً . والرحلة بشقيها معجزة دالة علي نبوة محمد صلي الله عليه وسلم، وهي معجزة لأنها تندرج تحت ما يعجز الإنسان عن فعله ويكون خارقاً للعادة، يُظْهِرُهُ الله على يد نبيٍّ تأييدا لنبوَّته . ومن هنا لم ينسب النبي صلي الله عليه وسلم هذا الفعل لذاته، وإنما أثبته لله تعالي .

ويثور تساؤل في الوقت الراهن حول هذا الحدث مؤداه: هل تلاشت إعجازيته في عصر العلم، وأصبح حدثاً تاريخياً كان معجزاً في زمانه فحسب؟. والواقع أن هذه المعجزة تتجلي في عصر العلم . صحيح أن السري الليلي من مكان إلي مكان في زمن قصير لم يعد معجزاً، وصحيح أن العروج إلي الفضاء الخارجي لم يعد معجزاً، وأصبحت الأحداث منضبطة بالفيمتو / ثانية . وأن النبضة الإلكترونية الحادثة بضغطة زر تنتقل في اللازمن بين أطراف الأرض . إلا أن المعجزة المحمدية لا زالت باقية، وفاعلة، ولا زالت معجزة، وما فعله الإنسان للإنسان في هذا العصر خير شاهد علي ذلك . ووجه الإعجاز فيما فعل بالنبي / محمد صلي الله عليه وسلم، أنه قد بدا لمعاصريه ـ ممن أنكروا الحدث ـ أنه كان ذاتياً، أي منسوباً إلي قدرته الذاتية، فلم ير أحد من معاصريه البراق، ولم ير جبريل، ولم ير سيراً، ولا عروجاً.

ولو انتقلنا إلي العصر الراهن لوجدنا المعجزة قائمة بحذافيرها. لأن ما يقع في الوقت الراهن من معجزات علمية، تتضافر فيه كل الجهود العلمية، من أبحاث، وتقنيات، وتطبيقات، تقول في كل يوم أن ما ذكره نبي الإسلام محمد صلي الله عليه وسلم كان ممكناً وقائماً، حقيقة وواقعاً، ولا سبيل إلي إنكاره، من خلال الواقع المشاهد الآن .

وإن كان هذا الحادث قد وقع علي النحو الذي وقع به، وورد ذكر تفاصيله علي لسان نبي الإسلام، فإنه يدل دلالة واضحة علي أن وراء هذا الحادث إله، لأنه يتعذر بمقايس العلم في الوقت الراهن من عمر البشرية حدوثه بقدرات ذاتية لبشر. ولا سبيل إلي إنكار وقوعه استناداً إلي مقاييس العصر الحديث، لأنه قد ذكر علي سبيل التواتر علي مدار تاريخ الإسلام . فالحدث ذاته، ووقوعه، وذكره، وتواتره يدل دلالة واضحة علي أن الله موجود . وأن نبي الإسلام محمد، هو النبي لا كذب .

حسن زايد


المراجع

almothaqaf.com

التصانيف

الرسول محمد صلى الله عليه وسلم  أدب  أعلام   العلوم الاجتماعية   شخصيات