لم تمكث الرهانات السياسية على الطلاق بين حقبة الديمقراطية العربية والقضية الفلسطينية كثيراً، فسرعان ما تحرّك نبض الشارع العربي في قلب القاهرة للتأكيد على التلاحم مع القضية، وهي الحال نفسها في أغلب الدول العربية التي أحيت ذكرى النكبة على وقع جديد تتبدّى فيه مرّة أخرى حرارة هذه القضية ومركزيتها التي لا تقبل الجدل في وجدان المواطن العربي.
لدى الفلسطينيين كان المشهد مختلفاً أيضاً عن السنوات المحبطة الأخيرة. فبالرغم من تراجع مسار التسوية السلمية واستقالة ميتشيل وتعنت نتنياهو؛ فإنّ المصالحة الفلسطينية جاءت لتخلق أجواء من الفرح والارتياح في أوساط اللاجئين والنازحين في أغلب الدول العربية، والذين عادت لهم روح الحماسة في يوم النكبة واخترقوا الحدود دافعين ضريبة الدم مرّة أخرى، لكنها اليوم تعبير رمزي عن بقاء الحلم واستمراريته.
نحن، إذن، أمام لحظة مفصلية تقتضي إعادة التفكير جدّياً في مسار القضية وإمكانية إحياء "النضالية الوطنية" الفلسطينية والتضامن العربي والإنساني معها، في مواجهة المخطط الإسرائيلي لتصفية القضية.
اللاجئون والنازحون الفلسطينيون هم عنوان رئيس من عناوين النضال الفلسطيني والمواجهة مع المشروع الإسرائيلي، وحق العودة مكفول في القانون الدولي وبقرار من مجلس الأمن، وهو ما يجب أن يكون مربعاً مهماً في الصراع المقبل مع المشروع الصهيوني، بخاصة بعد أن كشفت صحيفة هآرتس عن نجاح إسرائيلي في سحب هوية 140 ألف فلسطيني من الضفة الغربية، وهو رقم مرعب ومؤذن بمخطط لتصفية الوجود الفلسطيني في الضفة الغربية، ويتطلب برنامج مواجهة وليس شعارات سياسية فقط. ذلك يعود بنا إلى رسائل رئيس الوزراء معروف البخيت، المتتالية تجاه ملف اللاجئين، وهو حديث يعكس شعور مطبخ القرار في عمان بالتهميش الحاصل للأردن، بالرغم من أهمية ملف اللاجئين. لكن حرص المسؤولين هنا على حق العودة ينقسم بين تيارين رسميين؛ الأول يتحدث عن حق العودة وهو يستبطن ملف اللاجئين، والهوية الوطنية، والبعض الآخر يتحدث عنه وهو يستبطن حصة الأردن من التعويض.
بيت القصيد أنّ أي حديث رسمي عن حق العودة وحماية الحقوق التاريخية للفلسطينيين، وإعادة هيكلة موازين القوى إقليمياً، يتطلب إعادة نظر حقيقية في السياسات الرسمية التي وقفت، تاريخياً، في المنطقة المغايرة تماماً إقليمياً ودولياً، وداخلياً في مساحة رمادية أثرت سلباً على المعادلة السياسية بأسرها. ما حدث في الاعتداء على مسيرة العودة في منطقة الشونة برهان متكرر على أنّ الأجندة الوطنية تجاه ملف اللاجئين ملتبسة، وليست موضع اتفاق حقيقي، وأنّ الحديث الرسمي عن حق العودة في الضفة الغربية يتناقض مع السياسات الواقعية، حتى على صعيد التعبير الرمزي في الحفاظ على الحقوق التاريخية والقانونية للاجئين.
اليوم، ونحن على أعتاب الإعلان عن الدولة الفلسطينية في أيلول (سبتمبر) المقبل، ثمة ضرورة ماسة لحوار معمّق داخلي يتزامن مع حوار آخر بين مطبخ القرار في عمان والسلطة والقوى السياسية المختلفة، وإضاءة المناطق الرمادية وترسيم العلاقات الواضحة بين مربعات الهوية والعودة والجنسية والمواطنة وسيناريوهات الحل النهائي.
نحن أمام خيارين في التعامل مع الأسئلة الحيوية كالعودة والتوطين والجنسية، فإمّا أن تكون مركزاً للشراكة التاريخية والسياسية والتفاهم والتوافق، ما يخدم تصليب الجبهة الداخلية، وإذابة الهواجس ونزع فتيل الأزمات، أو أداة للشقاق والنزاع الداخلي وإثارة الفتن، والقلق المبطّن مع القوى الفلسطينية الأخرى. وهذا الخيار الأخير هو الذي ما تزال السياسات الرسمية تسير في ركابه.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة تصنيف محمد ابو رمان جريدة الغد