تعددت أسماؤهم من الرئيس الفاضل الذي تخلى عن منصبه طواعية أو لأن الديمقراطية فرضت عليه ذلك. من أمثال سوار الذهب في السودان وليوبولد سنجور في السنغال وجوليوس نيريري في تنزانيا وأخيرا وربما أولا نلسون مانديلا الى الرئيس المخلوع أو المقتول أو المنفي ، وهناك دول تزهو على غيرها بأن لديها رؤساء سابقين على قيد الحياة وعلى قيد أعمالهم أيضا سواء كمستشارين او متقاعدون تفرغوا لكتابة مذكراتهم ، وقبل عشرة اعوام كانت امريكا وحدها خمسة رؤساء أحياء ، ومقابل هؤلاء كان ولا يزال لدى العرب رؤساء سابقون لكنهم إما موتى أو خارج أوطانهم ، ونادرا ما التقطت صورة تذكارية لرئيس عربي سابق في مكتبة أو سوق ، او حتى على اشارة مرور،.
كان امام الرؤساء ان يظفروا بهذا اللقب وهو أشرف وأكرم من لقب مخلوع او مطرود أو بائد ، لكن للسلطة في عالمنا جاذبية لا تقوى برادة الحديد على صدها او إعلان العصيان على مجالها المهيمن ، ويبدو ان ثقافة ما يسمى بالرئيس السابق لا تزال قليلة الحظ في العالم الثالث ، لان شعار مدى الحياة الذي اعلن في الجمهوريات او ما الجملوكيات كما يقول البعض لم يقبل الترجمة الى اية لغة اخرى غير لغتنا ، واذكر ان صديقا عراقيا مثقفا هو الراحل نجيب المانع ، عمل مترجما لفترة من الوقت في وزارة الدفاع اثناء رئاسة عبدالكريم قاسم.
وحين طلب منه ان يترجم عبارة الزعيم الاوحد وهو اللقب الذي اطلق على قاسم وضع خده على كفه وأطرق لساعة وهو يفكر بما يعادل هذه العبارة في اللغتين الفرنسية والانجليزية ، ولو شاء ايضا لشمل السنسكريتية بهذه الحيرة.
ان ما ناله ويناله يوميا الرؤساء السابقون غير المخلوعين امثال سنجور وسوار الذهب ونيريري ومانديلا وقليل غيرهم من التكريم واستدعاء اسمائهم كأمثلة ناصعة لقبول تداول السلطة هو افضل بما لا يقاس من تشبثهم بالمقاعد حتى عندما ينخر السوس مقاعدها ، ويبدو ان هناك التباسا في مفهوم الخلود بين زعيم وآخر.
فمن اشتهوا ان يحكموا حتى ما بعد القبر ومن باطن الارض حرموا من ذلك. ومن تخلوا عن هذا المنصب ولم يحلموا بالعودة الى دبابات بعد إعداد البيان الاول هم الذين ظفروا بالخلود الحقيقي ، لان خيالهم السياسي أتاح لهم ان يفكروا بشكل منطقي ، وان يفهموا بعمق تلك العبارة التي تقول:
لو دامت لغيرك لما وصلت اليك،.
فهل أصبح العرب على موعد مع زمن يكثر فيه الرؤساء السابقون؟ ويشاهدهم المارة يتجولون بين المقاهي والمكتبات والاندية الرياضية بلا ارتياب أو خجل أو قلق؟،.
ان العلاقة وثيقة بل توأمية بين الديمقراطية والرؤساء السابقين. والسابق الحي الذي ينعم بشيخوخة كريمة هو الضمانة الوحيدة للاحق الذي سوف يصله الدور لأنه بشر كسائر العباد ، ولا يعيش ربيعاً أبدياً أو ينمو خارج الزمن،.
خشيتنا كعرب أن يكون لدينا من الرؤساء المخلوعين أضعاف ما لدينا من السابقين ، ما دام الطلاق السياسي البائن بينونة كبرى قد دخل هذه المرة من الباب الواسع ، وطرفاه ليسا زوجين متخاصمين بل باتريارك وشعب.
تحية لرؤساء سابقين تخلوا طواعية عن الرئاسة لأنهم حصنوا أنفسهم ضد الخلع،،.
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة خيري منصور جريدة الدستور