الأطلال بالنسبة للعربي ليست كما يتصورها البعض مجرد آثار وحجارة وبقايا ممهورة بأنفاس من رحلوا، فاللحظة الطللية في داخلنا وليست خارجنا، وهذا ما يفسر الشغف والنوستالجيا المزمنة إزاء الماضي، فهو دائما الأبهى والأجمل والفردوس المفقود .. وما تقوله كلمات أغانينا يكفي للتدليل على ذلك، خطر ببالي هذا كله وأنا اقرأ عن الطريقة التي ودعت بها المذيعة ومقدمة البرنامج الحواري الشهير أوبرا وينفري، فهي لا تشعر بالحزن على فراق برنامج عمره ربع قرن أي ما يقارب نصف عمرها، وتقول أن دموعها لم تكن حزنا على هذا الفراق، وانما لسبب آخر له علاقة بالمستقبل خصوصاً بعد أن أصبحت مالكة لشبكة إعلامية كبرى.

ورغم أننا نردد احياناً مقاطع من تلك القصيدة الشهيرة لناظم حكمت ومنها ان الاجمل لم يأت بعد والأبهى قادم في الطريق، إلا ان واقع حياتنا بخلاف ذلك، وكأن الحياة تنتهي في الأربعين أو الخمسين رغم أنها بالنسبة للإنسان المعاصر تبدأ من هذا العمر حيث تكون الولادة الاختيارية لا القسرية الثانية

ولفت انتباهي ما قالته ديفري عن طفولتها تقول بأنها لم تشعر ذات يوم بأن الناس يحبونها، لكن برنامجها الشهير خيّب ظنها واكتشفت حب الناس لها لكن بعد ان غادرت طفولتها.

ولا أدري لماذا يروي لنا عشرات وربما المئات من الكتاب والفنانين والشخصيات العامة حكايات عن هذا الشعور بالاكتئاب أثناء مرحلة الطفولة.

أكثر هؤلاء يقولون بأنهم كانوا يشعرون بأن العالم يريد بهم شراً، وان الكراهية والنبذ يحاصرهم، والتفسير السايكولوجي لهذا الاحساس هو ببساطة ان الطفل المختلف إحساساً بالعالم من حوله يجد نفسه يفكر بطريقة مغايرة للسائد، ويخشى ان يعامل كالعنزة السوداء في القطيع، خصوصاً اذا عرف الآخرون من حوله بماذا يفكر، وهو على الأغلب يعريهم بخياله ولا يصدق الصورة أو الهيئة التي يتقمصونها أمام بعضهم وكأنهم يستعدون لالتقاط الصور

وكم هو سيء الحظ الطفل الذكي المختلف والذي يملك الجرأة ليقول ان الامبراطور عار حسب قصة اندرسون الشهيرة اذا لم يتح له مجتمعه ان يحقق ذاته ويترجم طموحاته.. فهو في هذه الحالة لا يختبر اختلافه وما اذا كان لصالحه أو ضده، فمعظم من أحسوا بكراهية من حولهم لهم في الطفولة ظفروا عندما كبروا بحب عظيم، ولكي لا نبتعد عن أطلالنا ودموع ديفري التي لا علاقة لها بالأطلال تعالوا نتساءل عن سبب تلك الدموع؟ فهي ان لم تكن في الذكرى والوداع.. لا بد ان تكون بسبب عناق جديد، وهو بالنسبة لهذه النجمة التلفزيونية مشروعها القادم.

ّإذن هي لا تبكي على ما مضى لأن القادم بالنسبة اليها أجمل رغم أنها تقترب من الستين، وللمفارقة، فقد قرأت في اليوم ذاته عن عجائز فرنسيات أصغرهن في الثمانين قررن فتح صالون تجميل شرط ألا تقل أعمار زبوناته عن هذا السن، فمن أين يجيء اليهم هذا التفاؤل بما تبقى من العمر حتى لو كان بضعة أعوام؟ ولماذا يبدأ الاحباط بالتسلل إلينا بعد الأربعين بحيث نصطنع الوقار ونفتعل الحكمة، وكأن الحكمة هي خلاصة الكآبة والإنسحاب من حلبة الحياة..

والشاعر ابن أبي سلمى الذي قال بأنه سئم تكاليف الحياة لأنه عاش ثمانين عاماً لم يخطر بباله بالطبع أن العجائز الفرنسيات لم يسأمن من تلك التكاليف، ومن بكى على الأطلال نسي أو تناسى ما يتأسس ويُبنى في الجهة الاخرى


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة  خيري منصور   جريدة الدستور