عندما يسمع كاتب عربي قراءه أو بعضهم يمتدحون ما يكتب فانه ان كان يحترم وعيه ويدرك خطورة مهنته كشاهد لا يستخفه الطرب ولا يتناول عشاءه ثم يتجشأ وينام باستغراق، ما يحدث هو العكس، فهو يخشى من ان يكون قد خدع قارئه بأن أخفى عنه شيئا على سبيل التواطؤ والبحث عن طريق آمن. وهذه مناسبة للاعتراف حتى لو كان متأخرا بأن مقالة صادقة وحقيقية ولا تدفع ضريبة النجاة من مختلف أشكال الارهاب الذي يحاصرنا في هذه الآونة قد تتسبب في تشريد أسرة، وتدمير استقرارها، وقد يكلف من يجازف بكتابتها حياته.. وهذا كله محتمل بل أرخص مهر يمكن تقديمه للحقيقة، لكن هناك ما هو أقسى، فقد تلفق له تهم أخلاقية أو مالية أو سياسية لا يقوى على مجابهة من يؤلفونها لأن ذلك يتطلب سلاحاً من نوع خاص لا يملكه ولم يتدرب عليه بل عفّ عن اقتنائه أساسا هو النذالة وازدراء الذات وتأجير الذكاء، والدخول في منافسة مع كلاب جائعة على النباح يفوز فيها الأعلى نباحاً..

ان من أسهل الأمور على كاتب قرر أن يأخذ شكل الاناء الذي يصب فيه أن يكتب ما يسميه العرب الخُثى.. والذي لا هو ذكر ولا أنثى والكتابة التي تتأقلم مع كل طارىء بهدف الاسترضاء والممالأة وتجنب التأويل غالباً ما تتحول الى حلقات من أشباه الجمل.. ولا بد أن يكون المبتدأ مبتوراً أو الخبر محذوفاً كي تصبح الكتابة كالعملة صالحة لشراء الدواء أو الحذاء بالقدر ذاته

واذا كان هذا تعميماً لا يحق لنا أو لسوانا ان نتورط به فذلك ببساطة لان استثناءات تؤكد القاعدة وتكرسها..

لقد سبق للكاتب الراحل د. يوسف ادريس أن قال ان كل الحرية المتاحة للتعبير في العالم العربي لا تكفي كاتباً حقيقياً واحداً، لكن من يتناوبون حساء العظم ينسون أنه في النهاية سيصبح مجرد ماء مالح فقط.

وحين قرأت بالامس كتابا بعنوان نسيج الانسان الفاسد لاليزايا برلين شعرت على الفور بأن الكاتب العربي عليه اما أن يصمت وينتحر عقلياً أو ينتظر ورقة يانصيب تؤمن له الطعام والمسكن والدواء فيما تبقى له من عمر..

ثم يكتب ما يشاء سواء نشره أو احتفظ به في الادراج الى أن تأزف لحظة نشره.. قبل سنوات هدد الكاتب سيد القمني بحياته وحياة ابنته، فقرر الكف عن الكتابة ليس جبناً أو فراراً، بل لأن أمة تعاقب من يجتهد ويفكر ويبدع من أبنائها بأن تحول أطفاله الى أيتام يجب أن تعاقب هي الاخرى بالحرمان مما هو أعمق وأبهى وأصدق. وما من مرة سمعت أو قرأت فيها تعليقاً يمتدح ما اكتب من قبل قراء أعزاء الا وشعرت بما يشبه القشعريرة خشية من أن اكون قد خدعتهم واستخدمت مهارة الكتابة في اخفاء الخداع، ثم أحس وعلى الفور بضرورة الاعتذار اليهم عما خشيت من البوح به أو ادخرته الى لحظة أخرى، أو تجنبته بحثاً عن النجاة..

كل ما لدينا كعرب من حرية تعبير متاحة لا تكفي مقالة واحدة وليس كاتباً واحداً مع الاعتذار لاستاذنا الراحل ادريس، وعندما يفسد الماء والهواء ويتمدد الفساد حتى يصل الى ملح الطعام فان الصمت أنبل من كتابة بنصف لسان أو بقلم تزحف وراءه ممحاة جبانة..

والارجح ان الحرب المستمرة التي أشار اليها هربرت ريد بين شاهد الزور وشاهد الحق، لها وجه آخر.. هو الحرب بين قارىء يريد الحقيقة وآخر يسعى الى اغراقها بالحبر سواء كان أسود أم أحمر


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة  خيري منصور   جريدة الدستور