الفارق بين المصطلحين يتسع ليصل حد التناقض، فهما ليسا مترادفين على الاطلاق، لأن السكان مصطلح ديمغرافي وان كانت له ظلال اجتماعية واقتصادية، اما الشعب فهو مصطلح مركب، به من التاريخ والذاكرة الوطنية والمرجعيات ما يؤهله بامتياز لأن يكون الأقنوم الثاني بعد الارض في ثالوث الدولة.
وقد لفت انتباهي الى هذه المسألة الفنان الراحل حسن سليمان الذي عاش فترة من حياته في لندن، وعند عودته الى القاهرة وجد انه يبحث عبثاً عن مدينته، اذا كان بالفعل لكل انسان مدينته او قريته.
قال انه في طفولته كان يشعر بأنه جزء حميم وعضوي من الحي الذي يعيش فيه، لكنه بعد ذلك الاغتراب المؤقت عاد ليجد نفسه غريباً تماماً عن المكان، لأنه فقد ايقاعه النفسي والثقافي.. ووصف الناس الذين عاش بينهم في بريطانيا بأنهم شعب، وبينما وصف الناس المحيطين به في مدينته أو ما كان يوماً مدينته بالسكان..
لهذا كان علي ان اعترض وبشدة على وصف الفلسطينيين بالسكان، وذلك في المرة الوحيدة التي شاركت فيها بالحوار حول مشروع متحف فلسطيني يقام بالقرب من القدس، والصحيح ان الاسرائيليين هم السكان، اما الفلسطينيون فانهم رغم الشتات، شعب بالمعنى الدقيق لهذا المصطلح، سواء تعلق بالناراتيف أو ما يسمى السردية الوطنية أو بالهوية والحلم المشترك.
لكن العولمة في أحد أبعادها السلبية بدأت تحول الشعوب الى سكان بحيث تقتصر علاقتهم بأوطانهم بالبيت أو الوحدة السكنية سواء كانت مملوكة أو مستأجرة وبالوظيفة.. وأخيراً بالراتب التقاعدي اذا وجد
السكان لا يشتركون الا في البحث عن تحسين شروط الخدمات من كهرباء وماء ونفايات، لكنهم لا يشتركون في التذكر أو الحلم.. فهم لا علاقة لهم بالنوستالجيا أو الحنين الى الماضي او الناراتيف وهي التعبير عن أشواق الهوية. لهذا لا تتراكم لديهم الخبرات ويكون النمو عمرانياً منظماً، لكن العشوائية هي في الصميم من النسيج الثقافي وابعاده الاجتماعية، السكان شعارهم هو ما اختصره الفنان دريد لحام ساخراً في أحد مسلسلاته الكوميدية هو "حارة كل مين إيدُه إلُه".. أما الشعب فهو يدرك ملكيته الابدية لكل ما أنجزه أسلافه بدءاً من متاحفه ومعابده حتى دور التعليم والزراعة والصناعة، ولأن الهوية هي فائض جميع كل هذه العناصر كما هو الحال بالنسبة للروح أو الرائحة فهي خارج مدار السكان، لان لكل منهم هويته الصغرى المتفرعة بل المنشقة عن الهوية الام.
ما نخشاه هو ان نتحول في هذا العالم العربي الى مجرد سكان وتفقدنا العولمة في بعدها التفكيكي مفهوم الشعوب، عندئذ يصبح الكلام حول تاريخ آخر رغم ان الجغرافيا واحدة.
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة خيري منصور جريدة الدستور
login |