ان نكذب على بعضنا واحيانا على انفسنا مسألة طالما تصدى لها نفسانيون وواعظون وثمة شبه اجماع على ان الانسان يكذب لانه يحتاج ويخاف ويبحث عن النجاة، ونادرا ما يكون الكذب من اجل الكذب الا اذا تحول الى عادة علنية او مرض نفسي.
لكن ان نكذب على اوطاننا فتلك حكاية اخرى لها دلالات تاريخية واخلاقية بالغة الخطورة وقد يكون العرب المعاصرون من اكثر شعوب الارض غناء لاوطانهم، فهي الابهى والاغلى والتي تفتدى بالدم والروح قبل ان يهاجر هذا الافتداء من الارض الى الرؤساء.
ولان الله يحب ان يرى اثر نعمته على عبده فأين هي تجليات هذا الحب للاوطان في لحظات الاختبار العسير؟
غزاتنا لم يتجاسروا على الحاق الاذى بمتاحفنا كما فعلنا، فنحن نتعامل مع الوطن خارج حدود البيوت او الشقق كما لو انه لا يخصنا وضاقت الحدود الاقليمية للاوطان حتى اصبحت ابواب البيوت، وكل ما تجاوز تلك الابواب هو الاخرون الذين يصدق عليهم وصف سارتر الشهير بانهم الجحيم، لكن ليس بالمعنى الوجودي العميق الذي عبر عنه ذلك الفيلسوف بل بالمعنى الاجتماعي الضيق، ففي معظم عواصم العرب يجد من يدخل عمارة كبيرة تتألف من عشرين او خمسين شقة ان النفايات تلقى على بعد متر واحد من باب البيت، وكأن الجراثيم والعفونة تنحصر في كيس الزبالة الاسود.. ولا تتسرب منه الى كل سكان العمارة، لان هذه الجراثيم عابرة للشقق والابواب المغلقة
الافراط في النشيد للوطن قد يأتي تعويضا عن شعور متعاظم بالتقصير، فالاوطان لا تتغذى من بلاغة الكلمات، وما يحتاج الى الماء لا ينفع منه سراب الاغاني ولو كان العرب يعشقون اوطانهم على هذا النحو الذي نراه ونسمعه على مدار الساعة لما كان الحال على ما هو عليه ولما قضم التصحر حقولهم وملأ التلوث بكل اشكاله السمعية والبصرية والسمية كل الامكنة.
ان العاشق الحقيقي يتكتم ولو قليلا على المعشوق، لكنه ما ان يبدأ باستعراض هذا العشق حتى تتحول العاطفة الى مهنة، ويكون الطلاق بائنا بين ما يُقال وما يُفعل.
في العالم كله اختبرت الحروب الاخطار والاوبئة وكوارث الطبيعة حب الناس لاوطانهم، فلم يكن الخلاص فرديا على الاطلاق، ولم يكن شعار هلك سعد انج سعيد هو خلاصة الثقافة السائدة التي تغذي الانانية وتحول الافراد الى جزر متباعدة ومعزولة عن بعضها.
وحين يزدحم الناس في طوابير لها اول وليس لها اخر للحصول على الخبز او النفط او الماء اذا شحت سلعة من هذه السلع لسبب طارئ فان معنى ذلك باختصار ان الفرد يعود الى غرائزه البدائية ولا يرى ابعد من قدميه حتى لو كانت الهاوية قاب خطوتين او ادنى منهما |
نعرف ان اطنانا من الورق لو ملئت بالمواعظ تبقى ممنوعة من الصرف اذا لم تكن التربية منذ جذورها قد أهلت الناس لان يكونوا فعلا شعبا وليس ركاما ديمغرافيا فالانسان لم يعد مدنيا بالطبع كما قال ابن خلدون | |
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة خيري منصور جريدة الدستور
login |