الحرف هو الالف فاتحة الابجدية الخالدة سواء كان عصا او سيفا او سارية علم او شجرة، اما النقاط فهي على التوالي.. وطن وذاكرة ومواطن، وهي اقانيم وجود لا سبيل الى حذف واحد منها، اما الاضافة اليها فهي ممكنة، ما دامت الذاكرة هي حاضنة الثقافة والوطن هو المعنى والدلالة والمستقبل.
هذه النقاط ليست الان من حبر او ماء انها من دم وعرق جبين ودمع، لكأن تاريخا باكمله قد احتشد في كبسولة واحدة، منها يتقطر الرحيق الذي يتحول الى لقاح ضد انتشار الوباء اما الوباء فهو انخلاع الفرد من سياقه التاريخي، وضياعه وسط دوامات تتجاذب قدميه وهو فاقد الحول والقوة..
فالمقصود اخيرا من الفوضى كبديل ادنى للحرية، ومن التدمير والتفكيك كبديل اسرع لاعادة البناء هو زج امة باسرها الى ظلام يصبح فيه البقر كله اسود كما قال هيجل.
فالظلام رهان اللص وقاطع الطريق والحالم بخلط الحابل والنابل، بحيث يضيع الفارق بين البندقية والناي وبين القلم والمخلب.
واذا قدر للحروف كلها في حياتنا ان تصبح بلا نقاط فان الغار يصبح عارا او العكس، ويحذف الفارق بين الحرية والحربة وبين الراية والكفن. طالما حلمنا كشعوب نكبت بالغزو والفاقة والانتحار الاهلي وظلم ذوي القربى وعدل ذوي البعدى بنهار شمسه ساطعة، بحيث يصبح التفريق ممكنا بين الغراب والعصفور، لكن الضحية اذا لم تتفوق على جلاديها وتحولت الى تلميذ نجيب لتعاليمهم تخسر ابهى ما فيها وهو نبلها، وفروسيتها وانحيازها لثقافة العدل والحرية والحيلولة دون تكرار المذبحة التي تشمل بدمويتها مفاهيم ومنظومة قيم اضافة الى الناس الذين يتحولون الى فحم بشري.
لسنا هنا بصدد صياغة وصفة نموذجية لكيفية الخروج من المدار المغلق، فالمحاصرون غالبا ما يتدافعون حتى يتساقط بعضهم تحت الاقدام، وكأن شعارهم هو انجُ سعد فقد هلك سعيد..
ما من نجاة فردية على الإطلاق إذا كان الجميع في مرمى النار أو زفير الضباع التي يسيل لعابها على الحدود ...
وما كان ذات يوم شعارا في نشيد او مديحا رومانسيا للاوطان هو الان دفاع باللحم والعظم عما تبقى، واذا لم يتحول القط الى نمر او فهد وهذا يدافع عن نفسه وابنائه يحميهم، وذلك اسوأ قدر يصاب به الكائن عندما يحول اعز ما لديه الى روث..
دعونا الان من السجال القديم في زمن البطالة عن عدد الشياطين والملائكة، وعن عد النجوم في ليلة صيفية صافية فما لدينا تنوء بحمله سلاسل الجبال، لانه ليس أوطانا مهددة فقط، بل مقابر تعج بالعائدين ومهود مهددة بان تتحول الى توابيت صغيرة.
لهذا علينا ان نبدأ باعادة النقاط المحذوفة الى الحروف
|
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة خيري منصور جريدة الدستور
login |