هكذا إذن.. بدأ الموت يسلك طريقاً آخر، فمنذ اغتيال راجيف غاندي بباقة ورد ملغومة، أصبح كل شيء قابلاً للتفخيخ، فالحذر الآن يؤتى من مأمنه، لهذا لم يخطر ببال الرئيس الافغاني السابق ان العمامة التي انحنت على كتفه ملغومة، وأن ما هو رمز للسلام والمحبة قد يتحول فجأة الى رمز للموت.
ما جرى لعالمنا خلال هذه الآونة هو اقرب الى جنون البشر وكأنهم عادوا الى بواكير التاريخ حيث لا حوار الا بالأنياب والمخالب، ولا معنى للآدمي الا اذا كان معرفاً بين هلالين، بطائفة أو عرق أو ايديولوجيا.
لقد كانت العمامة كما الطربوش والكوفية وحتى القبعة أبعد ما تكون عن الخوذة، لكن فائض العنف والصراع حذف الفارق بين التفاحة والحجر، وسميت القنبلة اليدوية رمانة، لكن سلاف ما تكتظ به من حَبّ هو رذاذ دم
وما حلم به الانسان في مختلف الازمنة من مدن فاضلة انتهى الى مدينة راذلة بسعة الكون، وكأن الطبع البشري يغلب كل اشكال التطبع، بحيث ما ان تستثار الغرائز وما يسمى في علم الاحياء الخلايا الزواحفية في الدماغ حتى يستيقظ الذئب الهاجع تحت الجلد الآدمي.
وما كتب عن الاغتيال حتى الآن بقي في نطاق تفاسير سايكولوجية وأحياناً سياسية تعبر عن ثنائية المكبوت واليأس، لكن الاغتيال الآخر الذي يُسمى معنوياً أو رمزياً قد يكون أنكى وأشد، لأنه يبقي الكائن على قيد الحياة كي يُعذب بما لحق به من أذى وشرور |
أذكر ان هاجس المثقفين والفلاسفة أو من تبقى منهم في ستينات القرن الماضي كان نووياً بامتياز وحين كان برتراند رسل ابن التسعين يقود مظاهرات مضادة للتسلح النووي ولم يخطر ببال هؤلاء ان هناك قنابل نووية وأخرى فراغية وعنقودية، اضافة الى النابالم ستكون هذه المرة من افكار ومفاهيم وايديولوجيات مدججة بالكراهية والثأرية، وقد يكون عدد من تعرضوا للاغتيال خلال العقدين الماضيين في العالم أضعاف من تعرضوا له خلال قرون. لأن تقنية الموت تطورت، والكراهية تغذت من ثقافة سامة حذفت البعد الثالث بين الحليف والعدو والصواب المطلق والخطيئة التامة.
لم يبق شيء لم يفخخ في عصرنا، بدءاً من الكتاب والرسالة حتى العمامة وباقة الورد مروراً بالهواتف والسيارات وزجاجات العطر والأقلام، وكأن الموت الذي يحصد البشر في الحروب والاوبئة وحوادث السير لا يكفي، وحين يضاف الاغتيال ببعديه العضوي والمعنوي الى قائمة الموت، فمعنى ذلك ان الانسان قد أدار ظهره لكل ما قرأ وسمع من مواعظ وتربويات تحرضه على مقاومة الحيوان النائم في دمه، والذي يلغي في أقل من دقيقة انسانيته وكل ما جعل منه آدمياً يسعى الى جعل الاقامة في هذا الكوكب ممكنة ومحتملة | .
فما الذي دفع هذا الكائن الى أن يفخخ جسده وعمامته وقلمه والوردة والرغيف؟.
أهو اليأس أم العمى السياسي المؤدلج؟.
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة خيري منصور جريدة الدستور
login |