لا حاجة لنا لأن نذكرهم بالاسماء، فالقائمة طويلة, ويعرفهم الناس من مجرى الاحداث الراهنة والساخنة أو من سياق الكلام في هذا المقام.
منهم من عمل عقدين أو ثلاثة أو اربعة مع النظام الذي اختاره لفرط ولائه وليس لاستثنائية كفاءته، ومنهم من شرعن العنف وسوّغ البطش في أيام البطالة السياسية التي كانت تسمى استقراراً وهي في حقيقتها مجرد استنقاع، فنحن لا نسمي الموتى صامتين أو هادئين أو مضربين عن الكلام والطعام، بل هم موتى وهذا يكفي ومن هؤلاء أفراد أوغلوا في التضليل وقلب الحقائق حتى قالوا للعالم أن الارض واقفة ولا تدور، وهي شبه منحرف أو مستطيل وليست كروية، فكيف وبأية معجزة تحول السجّان الى مبشر بالحرية؟ وهل يمكن للبشر أن يتبادلوا الأدوار على هذا النحو المفاجىء
كان أمامهم العديد من الفرص في ربيع سادتهم كي يعلنوا العصيان أو على الأقل أن يتقاعدوا عن التصريحات والمديح، فلماذا انتظروا ربع الساعة الأخير لاعلان التوبة السياسية؟ أم هي الريح التي مالت فمالوا والسلطة الوليدة التي أشرقت لحظة غروبهم.
من حقنا أن نسأل لأننا لم نفقد الذاكرة بعد، ولأننا لا نصدق بأن الانسان يستدير مئة وثمانين درجة في أقل من أسبوع أو شهر، فالمفكرون والساسة يطورون مواقفهم وقد يعتذرون عن بعضها، لكن ذلك يتم من خلال فقد الذات وبايقاع معقول يتناغم من التطور، وفي ظروف عادية لا يكونون فيها مهددين بالعقاب أو المساءلة على الأقل..
ان من عمل سجاناً وسادياً ومحترفاً للتبرير عقوداً هي الأعجف في تاريخ العرب المعاصر، يصعب علينا أن نصدق بأنه ولد مرة أخرى، وانتصر فيه الملاك على الشيطان خلال أيام معدودات.
واذا كان هناك طغاة وأباطرة استخفوا بعقول الناس وتحالفوا مع التاريخ في أحلام يقظتهم كي يحكوا ويرسموا الى الأبد، فان من كانوا لزمن طويل أدوات هؤلاء بل مخالبهم وقفازاتهم، ثم وقفوا على رؤوسهم بحيث علت عيونهم على حواجبهم، هم الأكثر استخفافاً بالعقول، ولعلهم يراهنون على ان الانسان في عصرنا ينسى أباه لمجرد أن يفرغ من الدفن وينفض التراب عن حذائه.
لكل كائن سيرته الذاتية، سواء كان سياسياً أو فنانا أو مفكراً أو انساناً عادياً وما من سيرة ذاتية تبدأ بعد الستين أو السبعين وفي أرذل العمر.
وهنا لدينا سؤال افتراضي وبريء هو كيف ان هؤلاء سيغيرون مواقفهم جذرياً ويقلب كل بروتوس منهم ظهر المجن لتقصيره لو أن الساحات لم تمتلىء بالناس ويندلع المارد الأسير من قمقمه؟ الارجح واحتكاماً للسير الذاتية والقرائن وطبائع الامور ان هؤلاء ما كانوا ليقولوا ما يقولون لو لم يبلغ البطريارك خريفه.
لقد سئم العربي النازف من خاصرتيه وعينيه وأنفه وأذنيه من فلسفة تغيير المعاطف.. وأخيراً تغيير الجلد، والأطرف من كل هذا، ان هؤلاء يظهرون أكثر راديكالية من ضحاياهم القدامى عندما يتحدثون عن التغيير، لأنهم المُريب الذي يكاد يقول: خذوني | | .
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة خيري منصور جريدة الدستور
login |