تؤخذ الحكمة من اي مصدر بدءا من خبرة العقلاء مرورا بافواه المجانين وانتهاء بالصحف التي تنصر نظامها ظالما او مظلوما رغم ان معنى المظلوم في ثقافتنا الاسلامية يختلف تماما عن دلالته السياسية، فالمظلوم هو ظالم نفسه والبادئ الاظلم.

صحيفة يمنية طالبت واشنطن على الفور وبعد مقتل العولقي بتقديم الشكر والامتنان والعرفان ايضا لعلي عبدالله صالح، فلولا عودة الرئيس الى صنعاء لما قتل العولقي، وتضيف الصحيفة ان الولايات المتحدة لا تقدر من يتعاونون معها.. وهذا هو بيت القصيد وبيت الداء ايضا.

فما قالته الصحيفة عن عقوق واشنطن ليس اكتشافا، ليس لان امريكا هي البلد الوحيد او الامبراطورية الوحيدة التي تفعل ذلك، فبعد احتلال العراق صرح طارق عزيز وفي جريدة الدستور قائلا ان موسكو باعت النظام العراقي باربعة مليارات دولار وسوف تتكرر هذه المسألة طالما هناك طرفان في هذا العالم احدهما يبحث عن مصالحه فقط والاخر يصدق ما يسمع.

ان علاقة القوي سواء كان امريكا او روما القديمة بالضعيف هي اشبه بالمقايضة بين التمساح والطيور التي تنظف له اسنانه بعد التهام الفريسة، هي تأكل ما تبقى بين تلك الاسنان وهو يستريح قليلا من الفتات المحشور بين اسنانه، لكن ما من ضمانة على الاطلاقة تحول دون ان يطبق التمساح فكيه على الحليف الضعيف.

ما قالته الصحيفة اليمنية ليس اختراعا للعجلة كما يقال وليس اكتشافا "كولومبوسيا" للسياسات الامريكية، فهذا ما فعلته مع البينوشيهات والشاهات على امتداد تاريخ علاقاتها السياسية بالعالم.

حتى القذافي الذي قال ذات يوم ان هناك دولا حليفة لامريكا بدأت تفقد صلاحيتها وبالتالي ترميها واشنطن في سلة المهملاتن لم يكن يدرك انه قد فقد صلاحيته ايضا.

ان ابسط بدهيات المنطق السياسي يغيب عن نظم تحولت الى شجر لبلاب لفرط اعتمادها على عناصر غير ذاتية كي تبقى على قيد السياسة والحياة.

والخلاصة هي ان القوي يعي مصالحه جيدا ولديه من القدرة والخبرة ما يكفي للاستئجار والتوظيف وايهام الضعيف بانه حليف وشريك وليس مجرد تابع، لكن ما ان ترتطم الجرة الفولاذية بكوز الفخار الهش، حتى ينتهي كل شيء ويبدأ التابع الذي انتهت صلاحيته امريكيا باتهام من تخلى عنه بانه قلب له ظهر المجن، او انه غير وفيّ وامين.

كيف لا يخطر ببال هؤلاء الذين صدقوا التمساح وظنوا ان دموعه حزن عليهم او اشفاق على ضعفهم، ان السياسة تخلو تماما من مثل هذه المفردات الاخلاقية، وان امريكا وغيرها من القوى لا تقيم ايّ وزن لمن اوهم نفسه بالندية والتحالف؟.

لكن اليس تخلي واشنطن عن التابعين وبيعهم في اول مزاد سياسي سواء كان سريا او علنيا هو درس بليغ لمن لم يسقطوا في الفخّ حتى الان؟.

الحبل على الجرار كما يقال.. والحمامة التي تبيض في عش النسر، عليها ان لا تنتظر فراخا الى الابد.


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة  خيري منصور   جريدة الدستور