المفارقة بمعناها المتداول شعبيا هي مصرية بامتياز خصوصا ما تعلق منها بسرعة البديهة والقدرة على التقاط ما هو ساخر، لكن السياسة لها مفارقات من طراز اخر، ومنها تجربة انتخاب رئيس لجامعة القاهرة بعد ثورة يناير ولاول مرة في تاريخ الجامعة الرائدة التي انشأها الملك فؤاد الاول في عشرينيات القرن الماضي ودرس فيها من مختلف اقطار الوطن العربي عشرات الالوف على امتداد تاريخها الطويل وكنت احد هؤلاء.
فاز في هذه التجربة الديمقراطية التي اقتحمت الاروقة الاكاديمية د. حسام كامل الذي كان يرأسها في عهد الرئيس مبارك. وثمة من الشبان المتظاهرين احتجاجا على فوزه في باحة الجامعة من قالوا انه من فلول الحزب الوطني وطالبوا بعزله رغم هذا الفوز.
والمفارقة لا تتوقف عند هذه التجربة في المجال الاكاديمي، فماذا لو فاز في الانتخابات المصرية وبمختلف مستوياتها ومراحلها اناس من العهد القديم؟ هل سيعاد النظر في الديمقراطية عندئذ باعتبارها ليست حلا، او حتى ليست شرا لا بد منه، حسب تعبير تشرتشل الشهير.
في اربعينيات القرن الماضي كتب جان بول سارتر مقالة حول هذه المفارقات قدر تعلقها بالانتخابات والصناديق، وتساءل بمكر لا ببراءة قائلا ما الذي سيفعله الديمقراطيون باعداء الديمقراطية؟ هل يبيدونهم وهذا امر مضاد للديمقراطية ام يتركونهم يحفرون قبرا جماعيا للديمقراطية وانصارها؟.
واذا كان فوز د. حسام كرئيس لجامعة القاهرة قد تم بانتخابات نزيهة ومراقبة، فان المعنى الوحيد للتظاهر ضد هذا الفوز هو انه تظاهر ضد الديمقراطية في اول عينة اكاديمية منها.
خشيتنا هي ان الديمقراطية في مناخاتنا العربية المحتقنة ستبقى مصطلحا ملتبسا، ونحن نعرف ان هناك تجارب في الديمقراطية رفضت جملة وتفصيلا لان طرفا غير مرغوب فيه قد فاز فيها.
كم من التأهيل والمران يحتاج عرب عاشوا نظم الحزب وثقافة احتكار السلطة كي يصبح قبول الاخر حتى لو كان خصما سياسيا ممكنا؟ وما نخشاه ايضا هو تكرار تلك الكوميديا الروسية عندما طالب الراديكاليون بخلع السكك الحديدية التي انجزت في عهد ستالين او هدم الفنادق والمعالم الكبرى التي شيدت في عصره.
فلا ذنب لمهندس او طبيب او مدرس، عمل في هذه الدولة او تلك ابان الحكم الديكتاتورين خصوصا اذا لم يكن من ادوات النظام او المستفيدين منه على حساب الاخرين، واذكر ان العالم المصري د. فاروق الباز قال جملة تستحق التأمل.. هي ان الدولة المصرية بكل ما فيها من ملايين الموظفين والعمال كان يعملون خلال فترة الحكم السابق.
اين هي الحدود اذن حتى لو كانت تقريبية؟.
فما من ديمقراطية تتم وفق شروط مسبقة، لهذا على من يدعمون اليها ان يقبلوا نتائجها خصوصا اذا كان الانتخاب نزيها وغير مطعون فيه قانونيا.
يبدو ان حكاية العرب مع الديمقراطية اطول مما نظن، فهم لن يحرقوا المراحل في شهور او اعوام كي يبدلوا عادات تفكير وانماط سلوك.
ان مفارقة جامعة القاهرة تستحق التأمل مرتين المرة الاولى كونها اكاديمية تدشن منهجا جديدا في تحديد التراتبية الجامعية، والمرة الثانية لكونها عينة تجريبية من ديمقراطية لا يرضى الناس عن نتائجها.. لكن ما نحن متأكدون منه ان ثورة يوليو وعبدالناصر لم يهدما جامعة القاهرة، لان من بناها هو الملك فؤاد الاول.. وكذلك ام كلثوم والاهرام
.
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة خيري منصور جريدة الدستور
login |