أمام الكاتب العربي الآن ثلاثة خيارات وقد يكون رابعها الانتحار إذا قرر أن لا يكون شاهد زور او مجرد تابع مأجور لدون كيشوت ينقل انباء انتصاراته على طواحين الهواء.

الخيار الاول، ان يصمت ويغمد لسانه كيلا يتورط بالمزيد من الاخطاء، والخيار الثاني هو ان يكتب سرا، ثم يحشو اوراقه في زجاجات يغلقها بإحكام ويخفيها في الماء كما فعل يانيس ريتسوس.

والخيار الثالث ان يواصل الكتابة عن الله وقيصر بالحماس ذاته وعن السجين والسجان بالبلاغة ذاتها وعن القاتل والقتيل بالحبر ذاته.

فهذا المسكين الذي صدق كل ما قرأ من فلسفة وعلوم واداب وفنون وفروسية لم يخطر بباله ان المعرفة في عالمه العربي هي للزينة فقط، وان الوعي يلبس ويخلع كالعمامة او الطربوش في المناسبات، فهو غالبا ما يجد نفسه بين ديكتاتورين: احدهما له اسم محدد واسلحة مرئية بالعين المجردة وعسس والاخر ليس محدد الاسم واسلحته غير معروفة بدقة فهو احيانا مجرد حماس وتفكير انفعالي كالذي تحدث عنه جوستاف لوبون في كتابه سايكولوجيا الجماهير، وقدره هو قدر القديس مونتن كرستيو الذي حفر عدة اعوام في جدار زنزانته ليجد نفسه في زنزانة مجاورة مهجورة واشد رطوبة واوطأ سقفا من الاولى.

وعلى هذا الكاتب ان يكون هنا وهناك في الوقت ذاته، وعليه ايضا ان يكون ضحية الاثنين معا.. الجلاد وضحيته، فهو باستمرار مطالب بعدم الاقتراب من خط احمر، سواء كان هذا الخط بقلم نظام او بقلم معارضة فالبعد الثالث في ثقافة الثنائيات المانوية - نسبة الى ما نو الفارسي - محرم، لهذا فهو ان لم يكن مع طرف فهو بالضرورة عدو الطرف الاخر.

حدث هذا مرارا ولم يكن العراق بكل ما آل اليه من دمار وفوضى وانتحار طائفي الا مجرد نموذج.. فمن قالوا لا للاساطيل واسراب الفانتوم وصواريخ كروز وبالتالي لاحتلال العراق قيل عنهم بانهم يدافعون عن نظام صدام حسين، رغم انهم بحكم وعيهم التاريخي الغارق للسائد عرفوا كيف يكونون ضد الاستبداد والاحتلال في وقت واحد.

وفي ثقافة ملغومة بالتخوين والتحريم والتفكير لا بد للحذر ان ينتهي الى تعثر، رغم ان لغتنا العربية امبراطورية من المجازات والمترادفات، ولعلها اصبحت كذلك بسبب فائض كبت التعبير والحاجة الى التحليق على ارتفاعات شاهقة ولكي نكون اكثر صراحة، فهذه آونة من تاريخنا استقال فيها المفكر وتقاعد المثقف وصمت الشاهد، لأن من تولى التفكير من فلاسفة ايامنا العجاف هم مذيعات ومذيعون، ومتخصصون في فقه الهجاء السياسي المتبادل، وممرضون من الدرجة الثانية يجرون عمليات جراحية للدماغ او عمليات قلب مفتوح بلا تخدير

ان من فهموا الاشتراكية على انها توزيع الفقر بالتساوي بين الناس ومن فهموا الديمقراطية على انها حق الفرد في تدمير مسجد او كنيسة او الاستيلاء على متحف او مخطوطات.. لا بد انهم بحاجة الى التمثال الشهير للثالوث الهندي..

وهو لا أرى.. لا أسمع.. لا أتكلم


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة  خيري منصور   جريدة الدستور