غالبا ما يعاقب الحالمون أو بمعنى أدق الطامعون في امتلاك كل شيء بالحرمان من كل شيء لأنهم كمن يضع قدما على طريق ويحاول أن يضع قدمه الاخر على طريق مختلف، ولا ندري ما هي الكيمياء السحرية التي تجعل شخصا ما يحصل على العلم والمال والجاه الاجتماعي والمنصب السياسي والعافية الدائمة؟ اللهم إلا إذا أراد أن يزج نفسه بين الفلاسفة وهو يجهل نفسه او بين المناضلين وهو محترف مساومة او مقاول أنفار في سيرك سياسي.

ان من يكرس عمره للثقافة والتأمل من خلال مشروع معرفي لا ينتهي الا بالموت لن يجد من فائض الطاقة والوقت ما يجعله تاجرا.

ومن يكرس حياته لجمع المال والكسب على مدار اللحظة لن يجد لديه ما يكفي لان يقرأ كتابا واحدا في الشهر، اللهم الا اذا كان هناك من يقرأون له ويلخصون له الكتب لكن وفق رؤاهم وهواهم وليس وفق ما يريد.

هل تراكم لدينا من مديونيات الكبت والحرمان ما يدفعنا الى الطمع بامتلاك كل ما في ايدي وعقول وقلوب الاخرين؟ قد يكون هذا صحيحا، لان المحروم لا يشبع وسيبقى طيلة العمر يبحث عبثا عن رغباته الاولى التي لم تشبع في اوانها، وهناك حكاية طريفة رواها كافنتزاكي عن حرمانه وهو طفل من الكرز، وذات يوم ملأ حوضا كبيرا بالكرز وظل يأكل حتى اتخم تماما ثم تقيأ كل ما في جوفه، وظن أن هذه هي تصفية حساب أخيرة مع حرمان ما..

منذ اول سطر في ثقافتنا والمثقفون يشكون من الفقر والحرمان واطلقوا على من يحترف هذه المهنة عبارة ادركته مهنة الأدب لكن ما من ثري عربي يشكو من فقر ثقافته، لان المعايير الفعلية في حياتنا هي مادية بعدة امتيازات وليس بامتياز واحد فقط،

وان كان لا بد من حكاية رمزية اخرى لايضاح ما نود قوله فلتكن تلك التي رواها كولون ويلس عن عجوز كانت كانت تعيش داخل زجاجة خلّ، وذات يوم مر بها ساحر وسمع انينها ولما سألها عن السبب قالت انها تئن من العزلة والضجر، فاخذها الى حي شعبي مزدحم ويعج بالاصوات ثم عاد بعد شهر وسمعها تواصل الانين وعندما سألها اجابت بانها لا تستطيع النوم بسبب الضجيج، فحملها الى ضاحية نائية وهادئة ومليئة بالحدائق الخضراء ولا يسمع فيها سوى أصوات الطيور، وتكررت المسألة وواصلت الانين لأنها كما قالت للساحر ضاقت بالهدوء.. فحملها الى زجاجة الخلّ حيث كانت تعيش وقال لها انها المكان الانسب لانينها، فهو على الاقل مبرر في داخل الزجاجة.

ان من يطمعون في امتلاك كل شيء لا يعرفون بان من اشتغلوا في العلم والمعرفة تنازلوا طواعية عن ثلاثة ارباع صحتهم وان من استحقوا احترام الناس وكانوا جديرين بصفة المناضلين قضوا نصف اعمارهم في الزنازين تاركين اولادهم نهبا للجوع والشقاء، لانهم مجرد ايتام على مآدب اللئام.

أليس من الأجدى لنا جميعا أن نعترف لأنفسنا بما نستحق، فالذباب لا يفرز العسل والغربان لا تغرد والثعابين لا تستعرض سيقانها أمام الغزلان..

إن من يريدون كل شيء هم الذين تنقصهم أنفسهم أولا وقبل كل شيء ...


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة  خيري منصور   جريدة الدستور