عندما قال العرب صاحب الحاجة ارعن لم تكن متوالية الاستهلاك المحموم قد بلغت هذا الحدّ الذي يتطلب اعادة تعريف للحاجة والفقر فمن كان مستورا بتعبيرنا الاجتماعي او متوسط الحال قبل نصف قرن هو الان فقير مدقع لان قائمة الاشياء التي يشتهي الحصول عليها ويسيل لعابه على اعلاناتها المتلفزة لا نهاية لها.
لهذا فصاحب الحاجة الان اعمى وليس ارعن لان ما يجري حوله وتحت قدميه اعطب بوصلته، ولم تعد الكوابح التقليدية ذات صلاحية في أيامنا التي اباحت كل شيء واتاحت تحليل المحرّم وتشريع المحظور.
ومن يعش اليوم حياة كريمة او شبه كريمة بجهده وعصاميته ويحتفظ بحد ادنى من عقله يصبح محقا اذا صاح بأعلى صوته ان الجحيم ارحم من هذا الواقع، فالصداقة لم تعد ممكنة في ثقافة الفهلوة والاستحواذ والنفاق الاجتماعي، وكذلك الحب الذي هاجر من فضاءاته الاولى الى الفيس بوك ومزاد الزيجات الملفقة والمهور.
كأن لقمة كل فرد عالقة في فم فرد آخر وكأن هذه الملايين تشتبك حول رغيف واحد وبيت واحد وسيارة واحدة ونجاح واحد
ومن يتمرد على ما يسمى جري الوحوش عليه ان يقبل بالقشور ان وجدها.
فالسباق ماراثوني الى ثراء لا يتحقق الا لنسبة ضئيلة تحصل على المال خارج هذا الماراثون المجنون، وهو ايضا سباق من طراز غير بشري.
وحبذا لو يعرف الناس جميعا كيف تدرب الكلاب على السباق، انها تربط الى ذراع مروحة كبيرة لا تكف عن الدوران وتربط الى ذراع آخر قطعة لحم او عظم بحيث تبقى المسافة ثابتة بين لعاب الكلام والطعم المستخدم في حثها على التسابق | واخيرا حين تفوز في هذا الاختبار تستخدم لاحضار الفريسة دون ان يكون لها نصيب منها، وقد تقعي وتهز ذيلها فرحا لانها حققت الهدف من تدريبها.
والناس بالفعل نيام، وان استيقظوا ماتوا تلك ايقونة رسولية تختزل جبالا من الورق.
لان منهم من حذف نصف الحكمة وتوهم بانه يعيش ابدا، اما الموت فهو يصيب الاخرين فقط، وكذلك الفقر والمرض والفقدان، ومن الناس ايضا من لا يموتون الا لحظة الموت، بسبب شحة الخيال بعكس من يموتون الف مرة في النهار لانهم لم يفقدوا آدميتهم، ولم يصدقوا ان الانسان يعيش بالخبز وحده.. واحيانا بالعلف وحده |
دقيقة واحدة تكفي كي يتأمل أحدنا نفسه والمكان الذي يسند اليه ظهره او قدميه، لكن هذا السعار لم يترك لنا حتى دقيقة واحدة نتأمل فيها ما نحن فيه، وقد تمر سنوات دون ان ننظر الى السماء، لفرط ما نحدق في اقدامنا وسط هذا الزحام، وان كان هذا الزحام احيانا كما وصفه الشاعر العربي عندما فتح عينيه على كثير ولكن لم ير احدا..
واذا احصى حاسوب متوسط الذكاء ما نملك من البيت ومقتنياته الى الادوات التكنولوجية قد ينفجر قبل ان يصل الى الحصيلة، لكن هناك حاسوبا اذكى، مهجورا ونادرا ما نتذكره لانه في داخل عقولنا.. هذا الحاسوب وظيفته الطرح والقسمة فقط ولا علاقة له بالجمع..
انه اذا استخدمنا مرة في كل عام سيقول لنا ان ما خسرناه هو اغلى ما نملك وهذا آدميتنا وما جعل منا بشرا يدربون الكلاب ولا تدربهم | |
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة خيري منصور جريدة الدستور
login |