من عاشوا في مصر الستينيات او زاروها كان أول ما يستقبلهم بعد المطار ميدان الاسماعيلية نسبة الى الخديوي اسماعيل والذي اصبح اسمه ميدان التحرير.. هو سرة القاهرة وسرها محاط بمعالم كانت لزمن طويل ملامح العاصمة:

الجامعة العربية بساعتها التي تدور ولا تدور وهلتون الذي شهدت أروقته القمم العربية الاولى والذي فقد ملامحه وحمل اسما اخر والمجمع، الذي تحتشد فيه اهم الدوائر للاحوال المدنية والهجرة. وقد تقادم حتى اصبح كما يقول البعض عبئا على الميدان، والمقهى الذي شهد لزمن طويل لقاءات وسجالات وكان الجاذب لمن يأتون من شوارع كالشرايين تصب في قلب العاصمة، هو استرا الذي فقد مكانته القديمة واصبح مجرد مطعم للوجبات السريعة، اما اهم ما يطل على الميدان فهو متحف الانتكخانة، الذي يختزن نسبة كبرى من تراث الانسانية، وكان قد تعرض للسطو لولا التفاف الناس من كل الشرائح حوله.

اختفت من هذا الميدان منذ اعوام طويلة ساعة عقاربها من الزهور، ودليل سياحي يختصر القاهرة كلها لمن يشاء ان يستدل به على ما يريد.. وتبدلت صور قديمة بالابيض والاسود لزعماء رحلوا وفنانين منهم من اصبح طي النسيان، وتبدل المارة ايضا.

والشارع القريب منه الذي يحمل اسمه سليمان باشا وهو اسم عربي لرجل فرنسي كان قبل نصف قرن يغسل بالشامبو، ثم حولته العقود العجاف الى شارع لا يختلف كثيرا عن شوارع دكا البنغالية او دلهي الهندية.

باعة متجولون وعربات، وضجيج مبهم وزحام قال عنه الشاعر احمد حجازي ذات يوم:

الناس في المدائن الكبرى عدد

مات ولد.. جاء ولد

هذا الزحام.. لا احد.

وقد كان للميدان كعكة من حجر، يلوذ بها العاشق والجائع والغريب، لكن لم يكن يحظر ببال احد من هؤلاء ان هذا الميدان سوف يتسع ذات يوم لمليون انسان وان الدهشة سوف تصيب المباني من حوله بالدوار، وان النيل الذي يجري قريبا منه سوف يتساءل في لحظة الغسق او الاصيل.. أيُّنا هبة الاخر.

انا أمْ هذه اليابسة من حولي؟

على مرمى صرخة واقل من رصاصة يقف ماسبيرو، مبنى التلفزيون الذي بدأ في بواكير يوليو باسم صوت العرب. وكان صوت احمد سعيد فيه يجلجل على مدار الساعة وكرست له الاذاعة الاسرائيلية في تلك الايام برنامجا يوميا اسمه اكاذيب تكشفها حقائق، لا اذكر كم حذاء انفقت وانا ادور في هذا الميدان طالبا لسنوات في الستينات من القرن الماضي، ثم زائرا ومقيما. وحين أراه يرتعش تحت ملايين الاقدام وتحت إضاءة ساطعة أعود الى صوره القديمة فأراني فيها وحيدا على باب المتحف المغلق بعد منتصف الليل او سائرا بمحاذاة سور الجامعة العربية، وكأنني على موعد مع نورس بالقرب من الشاطئ ،ان المكان يتحول الى زمان بمرور الوقت، ومن يجلس على مقعد خشبي قديم في مقهى احتفل بمئويته قبل اعوام، قد لا يعرف بأن دفء هذا المقعد هو لكثرة من تناوبوا الجلوس عليه، سعد زغلول وجمال عبدالناصر ومحمد عبدالوهاب وقاسم امين ونجيب محفوظ وام كلثوم الى اخر السلامة ميدان يعج كل حجر او حصاة فيه بملايين البصمات البشرية، ولانه سرة المدينة وكاتم أسرارها فقد تحول في لحظة الى زواج نادر بين الجنة والجحيم وبين الوردة والرغيف وبين الاغنية والرصاصة.

ذلك الميدان رواية لم تكتب بعد، واستدارة أعلنت العصيان على محيطها فاستطالت.

انه برج ايفل الذي لا تراه اذا كنت داخله كما قال رولان بارت..


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة  خيري منصور   جريدة الدستور