الفوز المتعاقب للاسلاميين على اختلاف أسماء احزابهم بدءاً من تونس حتى المغرب ومصر بدأ يتحول الى موضوع أثير للسجال في الشارع وفي أوساط النخب السياسية والمثقفين، فالربيع العربي أو ما سمي كذلك بدأ يتحول الى ربيع اسلامي، فهل هذا يلبي أهداف واستراتيجيات دول باركت الحراك العربي؟ أم ان وراء الأكمة أو الكواليس غير هذا تماماً، بحيث تجد الاحزاب والتيارات الدينية نفسها وجهاً لوجه مع الواقع بكل ما يزخر به من أزمات مزمنة؟؟
ان مجال الاجتهاد في تقديم اجابات عاجلة عن هذه الاسئلة لا حدود له، خصوصاً بعد ان فتحت الاحداث المتسارعة شهية الناس جميعهم على ما كان محظوراً الاقتراب منه، مما يؤكد ما قاله أرسطو قبل زمن طويل وهو الانسان حيوان سياسي، لكنه قد يضطر الى إضمار ما يفكر فيه بسبب الخوف أو الحذر. وهناك من هم اكثر تشاؤماً من مستقبل هذا الحراك بحيث يرون انه مشروع واسع للأفغنة، لكن ما يغيب عن معظم المتساجلين في هذا السياق هو لماذا أخفقت احزاب يسارية واخرى ليبرالية في الوصول الى الناس؟ وهل كانت طروحاتهم النظرية المتأنقة حكراً على الأروقة والصالونات بعيداً عن العشوائيات والازقة ؟؟
لنعترف بدءاً ان التزامن الدراماتيكي المثير بين تراجع اليسار وانحسار المشروع القومي نادراً ما حدث على هذا النحو ما ترك فراغاً لا بد من ملئه، واذا كان الاحتكام هو الى صناديق الاقتراع في النهاية فان ما تبقى لمن خسروا هو التوغل في التحليلات والتبريرات بحيث تصبح الديمقراطية التي طالما هتفوا لها وحلفوا باسمها مصدر قلق لهم، وهذا ما دفع البعض الى القول بأن هناك سلطات وأنظمة جائرة جاءت عن طريق الديمقراطية التي وصفها تشرتشل ذات يوم بأنها شر لا بد منه مستعيراً هذا الوصف من عبارة أطلقها الخطيب الروماني شيشرون على الزواج.
لنعترف بأن اليسار كمناخ عالمي تراجع كثيراً عن حماسته وأحلامه وحراكه العالمي عما كان عليه في ستينات وسبعينات القرن الماضي، وثمة قرائن ومواقف عديدة تجزم بأنه غير خنادقه الأولى، وأصبح معنياً بالبيئة وصحة البشر وحقوقهم، بحيث لم تعد السياسة في الصميم من دينامياته.. وحدثت تجارب ديمقراطية كان من مفارقاتها ان فوز حزب أو تيار ما تحول الى عبء عليه، وثمة من عبروا عن هذا الفوز في حالات استثنائية بأنه رمية من غير رام
والنبرة التي تعلو الآن في مختلف اشكال السجال صور فوز أحزاب إسلامية توحي بأن هناك من يريدون الديمقراطية لكن بشروطهم, وبحصولهم المسبق على بوليصة تأمين ضد الغير، ولصالحهم. لكن هذا النمط من الديمقراطيات الداجنة والمنزوعة الدسم لا معنى له، فإما أن تكون هناك ديمقراطية بكل ما تنتهي إليه وتسفر عنه من نتائج أو لا تكون.
وقد اتضح الآن ما كان مُلْتبساً حتى وقت قريب وهو إن النخب السياسية المبشرة بالتمدين والعصرنة يفصلها عن الشارع الكثير، فهي كمن يتعلم السباحة على سريره أو على الرمل، لهذا عليهم ألا يفاجأوا بنتائج غير سارة لهم، فالعربي الخائف والحذر والمسكون بالرعب من الحاضر والمستقبل لاذ بالماضي مقابل آخرين لاذوا بالمستقبل، لهذا فالحاضر بلا بوصلة والحوار فيه بين طرشان | |
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة خيري منصور جريدة الدستور
login |