ارتبط العصيان تاريخيا وسياسيا بالمدنيين، ونادرا ما سمعنا او قرأنا عن عصيان عسكري، لكن ما يحدث في مصر الان فيه متسع لكل المتناقضات، وذلك لاسباب منها الكثافة الديمغرافية التي تؤثر على منسوب اي حراك وتضاعف من اطيافه ومنها ايضا فائض الكبت السياسي لاكثر من ثلاثين عاما وان كان هناك من المصريين من يقول ان عمر هذا الكبت في ظل حكم العسكر اكثر من ذلك وقد يمتد الى ثورة يوليو.

لم يقل دعاة العصيان المدني في مصر بدءا من حركة السادس من اكتوبر ان هناك في مصر عصيان عسكري، يتلخص في ابطاء المجلس العسكري بتسليم السلطة، ويرون بتأجيل موعد هذا التسليم قرينة اخرى لعسكرة النظام، وكأن العكسر استمرأوا السلطة وتشبثوا بها كما حدث في العديد من البلدان في القارات الثلاث.

واذا كانت الاغلبية من المصريين وفي مقدمتهم الاخوان المسلمون والسلفيون يرفضون الدعوة لهذا العصيان فذلك ايضا يعود الى سببين اولهما ان البلاد والعباد ليسوا بحاجة الى المزيد من البطالة وتوقف عجلة الحياة، فمعظم المصريين يعيشون حياتهم من يوم الى يوم والسبب الثاني ان المجلس العسكري لم يصدر عنه اي بيان صريح بالعصيان العسكري اي التشبث بالسلطة، والابطاء ليس بالضرورة طريقا الى مثل هذا العصيان.

اكثر من عام مرّ على ثورة يناير وثمة وجهات نظر عديدة لا يمكن للمراقب ان يغفل ايا منها مهما لاح غريبا او خارجا عن السياق، فثمة وجهة نظر يرى اصحابها ان ما اسقط في مصر هو الدولة وليس النظام. وما تعانيه البلاد منذ اكثر من عام هو تفكيك الدولة وارتخاء مفاصلها وما نتج عن ذلك من انفلات امني.

وهناك وجهة نظر اخرى اقل راديكالية يرى اصحابها ان الثورة لم تحقق سوى اليسير من اهدافها لهذا فاستمرارها مطلب وطني كي تستكمل هذه الاهداف، وقد تكون متوالية الاحداث التراجيدية في مصر بدءا من اشتباكات ماسبيرو ذات البعد الطائفي ومرورا باحداث شارع محمد محمود مقابل وحول وزارة الداخلية وليس انتهاء بالحرائق التي شملت مراكز علم ودوائر حكومية ذات صلة بالضراب ومأساة ستاد بور سعيد.. قد تكون هذه المتوالية التي لا تلوح لها نهاية مصدر قلق شعبي كبير فقد يكون القادم اعظم كما هو المخفي عظيم ايضا، فما ينسب الى ما يسمى الطرف الثالث اصبح ذريعة واهية، لان مثل هذا الطرف لا يرتدي طاقية اخفاء بحيث يعجز جيش كبير عن كشفه، وحكاية ناب الفاعل او الجرائم المنسوبة الى مجهول اقترنت على الدوام بالفوضى، والفوضى عرض جانبي لكل حراك. لكنها قابلة للتمدد بحيث يصبح الحراك كله مجرد عرض جانبي لها

ومن يعرف مصر وهو ليس ادرى بشعابها من اهلها. يرى وراء الشاشات والبرامج الحوارية اتي تعاني من سيلان شديد ما هو ابعد من المقولات المتداولة، ويبدو ان مصر على موعد اخر مع ازمات قائمة منها ما هو متعلق بالسياحة والسينما والثقافة، مما دفع المثقفين والفنانين الى تشكيل ما سموه جبهة الابداع كخطوة استباقية لما يتوقعونه من موقف البرلمان ذي الاكثرية الاسلامية ومن الحكومة المقبلة.

واذا صح قول المتنبي وهو الذي سبقنا جميعا الى مصر على قدر اهل العزم تأتي العزائم بان مصر بسعتها وكثافتها البشرية وعمق ذاكرتها الوطنية وفائض معاناة اهلها ستعبر الازمات لكن ليس بشهور او حتى اعوام كما يرى المتفائلون جدا


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة  خيري منصور   جريدة الدستور