الشعارات الثالوثية المتعلقة بالثورات يبدو ان اقانيمها بحاجة الى اعادة ترتيب، وفقا لاولويات انسانية وواقعية، فحين رفعت احزاب قومية شعار الوحدة والحرية والاشتراكية، فشلت في تحقيق الوحدة حتى داخل القطر الواحد، اما الحرية فالله وحده وسلالات ضحاياها في عالمنا العربي ادرى بشعابها الوعرة والمليئة بشظايا الزجاج والاشواك.

ولاادري بالضبط اين هو موقع الرغيف في احدث شعارات التغيير في عالمنا العربي وعلى الارجح انه ليس اولا، لان هناك خجلا من اعلان ذلك، انسجاما مع بقايا الرومانسية وما تبقى في الذاكرة من الفكر الطوباوي.

اما اولوية الرغيف فهي ليست بحاجة الى براهين، لان الفقر هو المنجم السحري الاسود الذي افرز كل هذه المحاصيل القاتلة من الشقاء، والشعوب قد تقف او تخطو على ايقاع النشيد، وقد تقشعر وتبكي في لحظة ما.. لكنها لا تأكل على الاطلاق من قمح قصيدة او زيت اغنية، وليس معنى ذلك تبرير كل ما يقترف باسم الفقر من جرائم وجاسوسية وخيانات وانتهاكات، لان هناك فقراء لم يسمحوا للفقر ان يمتطيهم ويقفز الى الهاوية، بل هم الذين امتطوه وساقوه وبالتالي انتصروا عليه، وحقيقة الامر ان ما يفزع الان هو فوبيا الفقر اكثر من الفقر ذاته، فثمة اصحاب ملايين يحاربون من اجل قرش واحد بسبب هذه الفوبيا والخوف المزمن من الفقر، خصوصا اذا كانوا ممن تجرعوا مراراته في الطفولة.

انها ليست مفاضلة بين الرغيف والوردة، لكن الاعتراف بالوضع البشري والشروط التي تحاصر البشر ومنها ما هو عضوي لا فرار منه كي نحقق درجة من التوازن بين الرمزي والواقعي، فمن يفقدون حتى اعز الناس عليهم يجوعون يوما او اكثر بقليل ثم لا بد من الاستمرار في الحياة، وقد يتناولون طعامهم بعد صيام الحزن بشيء من الخجل امام الاخرين لكن سرعان ما تنوب عنهم افواههم واحشاؤهم في اشباع الحاجة.

لقد افرطنا نحن العرب في تغليب ما هو متخيل على ما هو واقعي، وصدقنا انفسنا الى ان ضبطنا العالم متبلسين بالحقيقة، فمن يلعنون الفساد علنا قد يمتدحون الفاسدين ويسبحون بحدمهم سرا اذا تعلق الامر بالرغيف وتلك سمة بشرية لا يحق لاحد ان يدينها الا اذا جرب ان امه ماتت في مستشفى واحتجزت جثتها كي يسدد الفواتير، او اذا جرب بان ابنه الذكي والمتفوق في الابتدائية تحول إلى ماسح زجاج سيارات على إشارات المرور لعجزه عن تعليمه.

ان للرغيف في ثقافتنا الشعبية العديد من الأسماء المستعارة وقد تكون الحرية أجداها لاننا نخجل من الجهر بحاجاتنا كلها سواء تعلقت بالجنس أو الرغيف او اية رغبة في تحقيق الذات، لهذا فنحن على الأغلب كائنات سرية ومؤجلة وفيها من الازدواجيات ما لا يحصى، ولأن الاكثرية كذلك فقد توصلت الى حلّ نموذجي للفرار هو التواطؤ، بحيث يتعالى كل فرد عما يصدر من الاخر.

رجاء أعيدوا ترتيب الاولويات كما هي في الواقع ولا تضعوا الابن قبل الأب في أقانيم شعاراتكم


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة  خيري منصور   جريدة الدستور