عندما قال من سبقونا تعبيرا عن الرهان الواثق «من يضحك اخيرا..»، كانوا يعرفون ما هو الضحك، ولم يكن كتاب برغسون عن الضحك المرّ المذاق، قد كتب، كما ان رواية الضحك التي ينزف منها الدّمع للصديق والمعلم الراحل غالب هلسا، لم تكن قد كتبت، ولم يكن ايضا في زمنهم من يعاقب على اضحاك الناس لعدة عقود، بحيث يحكم عليه بالسجن، لهذا نكتفي بالابتسامة فقط، لكن ليس على الطريق الدبلوماسية وهي النطق بكلمة «تشيز» او الجبنة الانجليزية، كي ترتسم ابتسامة صفراء على الوجه، عندما يتهيأ للتصوير، ومن يدري لعلّ زمنا سوف يأتي، يحاكم فيه من يبتسم لانه اساء استخدام شفتيه.
اما الحكاية، فهي ليست الضحك او البكاء، انها اقدم منافسة في تاريخ الثقافة والفنون، طرفاها رسامان طلب منهما ان يرسما لوحتين، هما عناقيد عنب وبعض الثمار، ما ان رفع الستار عن اللوحة الاولى، حتى جاءت العصافير من النوافذ، ظنا منها ان ما ترى هو فاكهة طبيعية وليس مجرد خطوط واصباغ، عندئذ اشفقت اللجنة المحكمة على الفنان الثاني، وشعر الجميع بان من خدع الطيور هو الفائز، لكن ما ان طلب منه ان يرفع الستارة عن لوحته حتى ابتسم، واصر على عدم كشف اللوحة، وكانت المفاجأة انه لم يرسم شيئا غير تلك الستارة، التي خدع بها اللجنة.
وانتهى الامر بفوز الثاني، لانه خدع العين البشرية وليس عيون العصافير، وهذا النمط من المنافسة، له تجليات في كل مناحي حياتنا، فمن يستخفه الطرب من اول ترقية، قد يتفوقون عليه، رغم صمتهم وهدوئهم وعدم ادعائهم.
ثمة اذن من يخدعون القطط والعصافير، مقابل من ينجحون في خداع البصر البشري، اذا لم يكن محصنا بالبصيرة، وقد يرسم احد الفنانين بابا او نافذة في جدار، بشكل بالغ الاتقان، لكن ما ان يهم الآخرون بالخروج منه، حتى يرتطموا بصلابة الجدار، ويسيل الدم من جباههم، تماما كما يسيل من جبين المضبوع؟
كان محظوظا وارتطم رأسه بسقف المغارة، وهو يتبع الضبع ويناديه أبي.. أبي.
لا نطمح الى الضحك اولا او اخيرا، لانه اصبح محظورا في ايامنا، ولم تعد عضلات الوجوه بالمرونة الكافية، بحيث تمارس هذه الوظيفة العسيرة. والشيء الوحيد المضحك والباقي، هو اذا ضحك احد الناس، ولم تستطع عضلات وجهه، ان تعود الى ما كانت عليه، لانه عندئذ سيبدو اشبه بالجمجمة، التي لا تكفّ عن الضحك الى الابد.
ومن يدري، لعلّ الاخضر يحاكم على اخضراره في زمن الهشيم، والذكاء يعاقب في زمن الغباء الوبائي، والغزلان تعاقب، لان السّلاف قررت ذلك.
الابتسامة اذن تكفي، ومن سيظفر بها في النهاية، هو ذلك الذي لم يرسم عنبا او نواطير، كي يخدع بها العصافير، بل الذي قرر ان يرسم السّتارة فقط، كي يقول بان الذكاء، ليس تذاكيا والموت، ليس تَماوتا، والجمال ليس تجملاً، والاناقة ليست تأنّقا، واخيرا، ان الانسان، ليس حيوانا ضاحكا | | .
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة خيري منصور جريدة الدستور
login |