كنت مستغرقاً في كتابة مقال عن معوقات التمدن في عالمنا العربي بدءاً مما قاله ابن خلدون في مقدمته، مروراً بسايكولوجيا المتهورين لمصطفى حجازي، وخروج العرب من التاريخ لفوزي منصور، وفجأة استوقفني في أحد البرامج الفضائية اعلان عن جريدة سوف يصدر عددها الاول غداً وفيه كما ورد في الاعلان أن أحد مرشحي الرئاسة في مصر يقول للصحيفة عن أحد زملائه المرشحين، أنه لا يصلح على الاطلاق لهذا المنصب، وربما لأي منصب آخر، وبعده، صرحت مطربة عربية من تونس عن زميلة لها من لبنان ذات شهرة واسعة، أنها ليست فنانة على الاطلاق ولا علاقة لها بالغناء.. وعلى الفور مزقت ما كنت كتبت وأحسست بالخجل، لأنني أتخيل نفسي في مكان آخر وربما في زمان آخر.
أما الواقع العربي فهذا هو بلحمه ودمه ونخاعه المشلول، وفي أول قطفة للديمقراطية يمارس اثنان حكم الاعدام الرمزي على زميلين لهما.. الأول مرشح رئاسة والثانية فنانة مشهورة ومعشوقة لدى قطاع واسع من الناس.
هكذا إذن تصر حليمة على كل عاداتها العربية القديمة.. فلا الربيع ولا الخريف ولا حتى الفصل الخامس في تقاويمنا غيّر من الأمر شيئاً، فالأحكام لا تزال بالجملة، واقصاء الآخر حتى لو كان زميلاً أو شريكاً يتم بالسرية ذاتها ودون أن ترمش العين
اننا أحياناً ننسى ما نحن فيه أو عليه، ونكتب كما لو أننا نعيش في أثينا التي اخترعت ما يسمى الديمقراطية، وواقع الحال غير هذا تماماً لهذا قلت ذات يوم لرئيس وزراء عربي مثقف حاورني في قضايا معرفية، أنه يصلح رئيساً للوزراء فيما وراء البحار كلها، لأن اللعبة في عالمنا العربي من طراز آخر، فهي بلا شبكة وبلا مرمى وأشبه بالمصارعة الحرة.. فمن وصل بالدبابة قبل سواه في تموز العربي القائظ وقبل أن يستيقظ الناس من سباتهم أكل النّبق كله كما يقال لأنه سبق، وبالتالي استولى على مقاليد البلاد والعباد..
هذه عيّنة من قطفة الديمقراطية الأولى، حكم بالاعدام، مارسه سياسي وفنانة، فكأن أبا زيد لم يغزُ.. وان فعلها ففي أول غزواته أضاع سيفه وعصاه معاً.. قلناها مراراً ولن نسأم من التكرار، إن أي حراك لا يستهدف ثقافة أنهى التاريخ صلاحيتها ومنظومة قيم وأعراف أفرزت الاستبداد لا بد أن يعيد إنتاج الماضي ويضيف إليه ما هو أسوأ.
نريد حراكاً يسقط مفاهيم وتربويات وأحقاداً متبادلة ونزعات احتكارية لا تجد حلاً للاستفراد الا بالاقصاء.
وبدون ذلك، فان براقش العربية ستواصل الجناية على الأبناء وأحفاد الأحفاد.
وحبذا لو أضافت الصحيفة وهي القطفة الأولى للديمقراطية على الطريقة العربية الى مرشح الرئاسة والفنانة شاعراً وتاجراً وكاتباً وسفيراً كي يقول هؤلاء ايضاً عن زملائهم ما قاله المرشح وما قالته الفنانة، اعدام بالجملة، وأوهام مزمنة بالمعصومية والاستحواذ على الصواب، فالآخر هو الجحيم وهو المخطىء وهو الذي لا يسمع الكلام، أما الذات المُتَسَرْطنة من فرط التضخم فهي دائماً على حق، لأن الشمس تشرق من أجلها فقط والناس يموتون في سبيلها وحدها والوطن هو مزرعتها أو زريبتها وحدها | |
المراجع
addustour.com
التصانيف
صحافة خيري منصور جريدة الدستور
login |