يرحلون تباعا، وأحيانا بتزامن تراجيدي وكأن لهم موعدا في أقصى الأرض، لأن مهنتهم هي أقسى المهن، فقد تسلل الدنس إلى قداستها، في زمن التسعيرة التي شملت الدم والحبر ولم ينبع منها حتى الدمع.

التقيته للمرة الاولى في مكتب صغير لكنه عريق وموروث، واهديته اول كتاب صدر لي قبل اكثر من ثلاثة عقود، وكان غسان تويني جريحا في عمق القلب لأنه فقد للتو زوجته الشاعرة الرقيقة نادية تويني، مما ضاعف من النزيف فالجرح الأكبر كان لبنان الذي قال لي بعد ربع قرن من اللقاء الاول واثناء تكريمه في دبي، إن لبنان حاول الانتحار عدة مرات، لكن فائض الحياة والعنفوان انقذه من الموت.

قد يكون غسان تويني من آخر تلك السلالة الصحفية الرائدة، وبناة القلاع قبل ان تزدحم الشوارع العربية وحتى الازقة بالدكاكين والباعة المتجولين، وقد نختلف مع بعض طروحاته لكننا نحترمها. فهو ليس صحفيا عابرا في هذه المهنة المقيمة، ورغم انه عمل وزيرا للاعلام لكن الكاتب والصحفي بقيا توأمين متعانقين في اعماقه.

عندما التقيته في المرة الثالثة والاخيرة في دبي كان قد ودع ابنه الذي قضى في حادث اغتيال ضمن مسلسل الدم اللبناني وحرب الاخوة الاعداء، كان يتظاهر بسبب كبريائه بالقوة، لكن ذلك الموت أحنى كتفيه، وأبقى سحابة بنفسجية تروح وتغدو في عينيه حتى الرحيل.. ولم تكن تلك السحابة تمطر إلا سرا. وهناك من الكتاب والمثقفين والصحفيين من تحبهم فور اللقاء بهم. لا بسبب الكياسة والاناقة والحصافة في اللغة فقط، بل لان لهم كفا تشعر بدفئها وحميميتها لمجرد ان تصافحها. وغسان تويني أحد هؤلاء إن لم يكن أبرزهم.

ومصطلح الكاريزما المتداول هذه الايام بسبب غياب من يجسدونه سياسيا، ليس بعيدا عن الصحافة ومعظم المهن ذات الصلة بالحراك الحضاري والمدني للبشر. ولغسان تويني حصة من هذه الكاريزما التي تجعل حضوره ساطعا حتى لو كان يجلس بين عشرين صحفيا.

لقد مرّ بضائقات نفسية واقتصادية وعاطفية، لكن المكابرة حالت دون ان يبدو الرجل متراخيا او يتطلع الى الاخرين بعينين منكسرتين.

وصلابة العود هذه من مزايا رواد هذه المهنة التي تبهدلت ومعذرة عن هذا اللفظ شأن الكثير من المهن الاخرى بعد ان هزمت التقاليد لصالح لاعبي الورق. وسماسرة الحروب والدسائس والمتمرغين على أعتاب السفارات. لقد ودع لبنان رجالا ونساء يصعب تكرارهم في المدى المنظور، اغتيالا او كمدا او عقوما. لكن هذا البلد العربي الولود والذي كان لعقود جاذبا لمن يتطلعون الى التنوير. اشبه بالفينيق الذي يتخلق ثانية وثالثة وحتى القيامة من رماده. ان ما يليق بهؤلاء الاساتذة الرواد من ابائنا واخوتنا الكبار ليس فقط وداعهم عن بعد، بل الحفاظ على ما تبقى من منجزهم المهني والاخلاقي. في زمن عربي جاعت الحرة فيه فأكلت بثدييها وتجشأ النذل بعد أن اتخم من لحم أخيه حيا وميتا.

صاحب النهار ومؤسس فجرها لن يطويه الليل.


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة  خيري منصور   جريدة الدستور