شهدت السنوات العشر الأخيرة نمطاً غير مألوف من الانتخابات التي تلعب فيها النكاية دوراً ملحوظاً ولا يصعب رصده، خصوصاً في الحالات التي يكون فيها مرشحان فقط أو أي طرفين سياسيين، وصناديق النكاية تفرض أساليبها القادمة من ثقافة موروثة، وتتلخص في عبارة واحدة هي أنني انتخب فلانا لا بسبب استحقاقه أو كونه مرغوباً فيه، بل استبعاداً للآخر، وهذا ما يعبر عنه بأمرين كلاهما مُرّ, ولكن أحدهما أشد مرارة من الآخر.

خطورة صناديق النكاية أنها تفرز فائزين في مختلف المجالات لأسباب تتجاوز أشخاصهم وخصائصهم وبالتالي جدارتهم، ويدرك الفائزون بالنكاية أن الآخر المضاد لهم أو الخصم الذي اندفع الناس لانتخابه نكاية به هو ضروري بل شرط دائم فهو من نتاج ما سماه المتنبي نكد الدّنيا على الحر الذي لا بد من خصومته الدائمة وليس صداقته، انها معادلة مركبة وتحليلها سايكولوجي أكثر مما هو سياسي بالمعنى التقليدي، لأن ما يحدث هو نقل الحراك السياسي في بعده الانتخابي الى ملعب آخر غير الملعب الأصيل، والكلمة الدقيقة التي تعبر عن انتخابات النكاية ليست المفاضلة بين شرَّين، بل العكس تماماً أي المُراذلة. وحصاد مثل هذه الثقافة هشيم بالضرورة ما دام هناك حرية الامتناع من أداء الأصوات أو المقاطعة، واذا انتقلت عدوى الثأرية والانتقام من الحياة الاجتماعية في طور ما من أطوار التخلف الى الحراك السياسي فهي ستفسده وتحوله الى مجرد وجه آخر للعملة ذاتها.

لكن كيف يضطر الناخبون الى مثل هذا التصويت القائم على رد فعل وليس فعلاً على الاطلاق؟ هل هو عبء الموروث السياسي الذي تسبب في استنقاع الحياة بكل أبعادها ومنها البعد السياسي بحيث لم يُتح لمعظم الناس الصّعود الى سطح الحراك، أم ان حداثة العهد بالديمقراطية وما يصاحبها من تجريب وتعثر هو سبب ذلك؟

قبل التسّرع بالاجابة علينا أن نتذكر نماذج من صناديق النكاية، والتي انتهت جميعها الى أزمات وطنية لم تنفرج حتى الآن، وبسبب ذلك أن الفائز بالنكاية أو لأنه أهون الشَّرَْين لا يعترف بذلك، حتى لو كان مدركاً للحقيقة، فالانسان ينزع دائما الى تصديق ما يروق له، لهذا فالفائز يمتلىء بشعور الاستحقاق وقد يفرط في اقناع نفسه ومن حوله بأنه فاز في ظروف صحية، وخارج ذلك المدار الانتقامي الذي تحركه النكاية.

ان تكرار هذه الظاهرة عربياً بات يؤشّر لخلل لا يتوقف عند الحراك السياسي فقط لأن له بعدين آخرين أولهما اجتماعي ذو جذور ثقافية وتربوية وثانيهما سايكولوجي.

وأدق من عَبّر عن البعد الثاني هو الراحل د. هشام شرابي في دراساته المتعددة والمعمقة من تكوين المجتمع العربي وما ترسب فيه من مخلفات الحقبة الاستعمارية وآفات التخلف، ما قاله شرابي هو ليس مهماً أن أكون غنياً، لأن الأهم هو أن يكون أخي فقيراً، وليس مهماً أن أنجح في حياتي وعملي لأن الأهم هو فشل أخي في ذلك، ورغم أن المفكر الراحل شرابي لم يكن ذات يوم مرشحاً أو حتى ناخباً، إلا أن ما قاله هو التفسير الدقيق لصناديق النكاية


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة  خيري منصور   جريدة الدستور