ثمة "خصوصيات" في انتخابات شورى جماعة الإخوان المسلمين الحالية، وهي تشارف اليوم على إفراز تركيبة جديدة لمجلس الشورى وللمكتب التنفيذي. وجه الخصوصية أنّ الانتخابات تجرى في سياق إقليمي جديد، تصعد فيه القوى الإسلامية وتحتل دوراً سياسياً جديداً في دول عربية عديدة، مثل مصر وتونس والمغرب.. و"الحبل على الجرار".
الخصوصية الثانية للانتخابات أنّها تجرى بعد أن تبعثرت الاستقطابات السابقة الخطرة، التي هزّت الجماعة في السنوات الماضية، وخفتت حدّة الأزمة الداخلية كثيراً. ومع أنّ التنافس اليوم يقع بين تيارين، فإنّ منسوب الخلاف بينهما أقل بكثير من السابق، والمعالم العامة لاستراتيجية الجماعة المستقبلية تم إقرارها في شهر آذار من العام الماضي.
الخصوصية الثالثة أنّ الانتخابات تجرى في ظل مرحلة انتقالية أردنية، تمهّد الطريق لانتخابات نيابية مختلفة، وفق تعديلات دستورية، وفي ظل أجواء سياسية داخلية تدفع بمشروع الإصلاح السياسي ليكون "عربة الأمان" لعبور هذه اللحظة بعيداً عن الاضطرابات والانفجارات التي تعصف بالمنطقة.
هنالك أكثر من قراءة (داخل الجماعة نفسها) للمؤشرات المترتبة على الانتخابات، فيما ستفرز مراقباً عاماً جديداً للجماعة، كما تدفع مجموعة مهمة في الجماعة؛ أم تبقي على المراقب العام الحالي، كما تذهب المجموعة الثانية! أو تحصل توافقات وتفاهمات وسطية على تركيبة المكتب التنفيذي الجديد، وعلى توجهات الجماعة تجاه الاستحقاقات السياسية المقبلة.
الانتخابات الحالية مرّت بسلاسة ملحوظة، وتعبّر عن "ديمقراطية داخلية" تحترم، وتعكس عملياً نهاية مرحلة التصنيفات التقليدية التي سادت داخل الجماعة منذ عقود، سواء بين الحمائم والصقور، ثم الوسط، فالتيار الرابع، وأخيراً بين التيار الإصلاحي والوحدوي. ولم تعد الديمغرافيا، أو الموقف من "حماس" يمثّل موقع اختلاف، بعد الانفصال التنظيمي بين الحركتين والتوافق على أولوية الإصلاح الداخلي في ظل الربيع الديمقراطي العربي.
اليوم؛ لا يوجد أي تصنيف متماسك، لأنّ الاختلافات أقرب إلى الاجتهادات والاختلافات الشخصية من أن تكون فكرية أو سياسية واضحة. على الطرف الأول نجد التيار المشكّل من القسم السياسي لجماعة الإخوان المسلمين، ويتكون من د. رحيل غرايبة وعاطف الجولاني ونبيل الكوفحي وسالم الفلاحات وفرج شلهوب وعزام الهنيدي، فيما يمثّل الطرف الثاني زكي بني ارشيد وهمام سعيد
ود. محمد أبو فارس وغيرهم.
أيّاً كانت النتيجة؛ فإنّ القيادة القادمة ستكون أمام أسئلة جوهرية فيما يتعلّق بالمشاركة في الانتخابات البلدية والنيابية. وقد تمّ تأجيل الحوارات المنتظرة بين الحكومة ومؤسسات القرار الأخرى والجماعة إلى ما بعد النتائج، لتكون صورة الحوار ومخرجاته أكثر وضوحاً واستقراراً.
الجديد في الأمر أنّ كلا الطرفين (الدولة والإخوان) يبديان مرونة جيّدة، فمؤسسات الدولة تقرّ بأنّ مشاركة الإخوان ضرورية ومطلوبة في المرحلة القادمة، وأنّهم لاعب رئيس وفاعل، فيما تذهب التوصيات المقدّمة من "المطبخ السياسي" داخل الجماعة إلى ترجيح سيناريو المشاركة السياسية وتغليبه في ضوء الاحتمالات والسيناريوهات المطروحة اليوم.
أحسب أنّ الطريق اليوم معبّدة لمشاركة الإخوان، إذا صدقت نوايا الجميع. ويبقى أن يبادر الطرفان إلى تحديد إطار الحوار السياسي المطلوب، بعد انتخاب القيادة الجديدة مباشرةً، طالما أنّ الهدف المعلن مشترك، وهو انتخابات نيابية تؤدي إلى مجلس نواب فاعل، وحكومة برلمانية، وهي لم تعد مطالب إخوانية، بل هنالك تعهدات من مرجعيات عليا في الدولة للداخل والخارج تجاه هذا الالتزام بل وموعده أيضاً.
الاختلاف في التفاصيل والضمانات، وهو ما يمكن تجاوزه إذا تمّ النظر إلى الجماعة في منظور وطني، بوصفها شريكاً في اللعبة السياسية وليس خصماً للدولة، كما كان سائداً خلال العقدين السابقين.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة تصنيف محمد ابو رمان جريدة الغد