برغم أنّ مراكز القرار كثّفت خلال الأسابيع الماضية رسائلها السياسية الواضحة إلى النخب والرأي العام للتأكيد على المضي قدماً في الخروج من المرحلة الانتقالية خلال الأشهر القادمة؛ بإنهاء التشريعات المطلوبة، وإجراء انتخابات وصولاً إلى حكومة برلمانية ونقل الحياة السياسية نوعياً، إلاّ أنّ تلك التأكيدات لم تحدّ من الأسئلة وحالة القلق العارمة التي تسود المشهد السياسي، وتستولي على شريحة واسعة من المجتمع!
ثمة روافد متعدّدة لهذا القلق، في مقدمتها "تركة المرحلة السابقة" التي تلقي بظلال كبيرة على العلاقة بين الدولة والمجتمع، وتخلق حالة من فقدان المصداقية والثقة، وأخطر ما فيها ملف الفساد، الذي يبدو مثل النار الملتهبة التي تمسكها الدولة بيدها، ولم تستطع إلى الآن التخلص منها.
يرفع من منسوب القلق حالة الاستقطاب السياسي والصراع بين النخب، وضعف المشروع الوطني الذي وُلد من رحم إضعاف قدرات الدولة السياسية والإعلامية، وعزّز الانقسام الاجتماعي والهواجس المتبادلة، مع بروز خطابات يمينية خطرة، وصعود للهويات الفرعية، وتنامي العنف الاجتماعي مع تراخي مفهوم دولة القانون والمؤسسات.
تغطس وراء المشهد أزمة مالية قاسية، يعاني منها الاقتصاد الوطني بشدّة، وتصيبه بأمراض العجز والمديونية وارتفاع النفقات الجارية لتأكل أغلب الموازنة العامة، بالتوازي مع ضغوط اقتصادية تعاني منها الشريحة الاجتماعية الواسعة، في ظل ارتفاع منسوب البطالة والعجز عن توفير فرص العمل، مع عدم وجود آفاق واضحة للخروج من هذه الحالة المتردية.
في مثل هذا المناخ، ليس غريباً أن تسوء الأحوال الاجتماعية والسياسية، وتنعكس على المزاج الشعبي العام. وفي مواجهته، يجد مطبخ القرار أنّ الإسراع في مشروع الإصلاح في أقصر وقت ممكن بمثابة "طوق النجاة"، مما يدفع المياه الجارية بالاتجاه الصحيح، ويجلي الصورة عن القوى الحقيقية في المجتمع، التي تستحق "أن تجلس على الطاولة"، وأن تعكس مخرجات الحراك السياسي الأخير، بدلاً من الاستماع إلى جلبة كبيرة وإلى آلاف الأصوات بدون معرفة حجمها الحقيقي في الشارع اليوم.
ذلك ما يفسّر الضغط على الرئيس عون الخصاونة والبرلمان من قبل مطبخ القرار للانتهاء من قوانين الإصلاح ودفع عجلاته إلى الأمام. وهو ما يرد عليه الخصاونة بحجج مقنعة أيضاً، بأنّ التأخر ولو قليلاً عن المواعيد المحدّدة ليس عبثياً، بل لضمانة فعالية "الهيئة العليا للانتخابات"، وتكوين جهاز تنفيذي مؤهل تابع لها، حتى لا نقع فريسة الارتهان للطريقة التقليدية في إدارة الانتخابات، وتوسيع مجالات واحتمالات التدخل في الانتخابات، كما حدث في السنوات الأخيرة.
السيناريو الأول والمفضّل لدى دوائر القرار يتمثّل في الإبقاء على حكومة الخصاونة، لتنهي مهمتها التشريعية، ثم تنسّب بحل البرلمان وتستقيل، لتضع البلاد على أبواب الانتخابات. ويبدو في هذه الحالة الخصاونة نفسه مرشّحاً لترؤس الهيئة المستقلة للانتخابات، في حال لم تنجح جهود إقناع رئيس الجبهة الوطنية، أحمد عبيدات، بالقيام بهذه المهمة.
في حال تعثّر هذا السيناريو، لأيّ سبب كان، فإنّ مذكرة المائة شخصية (التي لم ترَ النور بعد ولا نعرف مدى "قبول" دوائر القرار لها)، تمثّل قناة العبور إلى خطة (ب)، بإنهاء الحالة الرمادية واستقالة الحكومة وحل البرلمان، وتشكيل حكومة "وفاق وطني" تجري الانتخابات خلال شهرين فقط. يواجه هذا السيناريو عقبات عديدة، أهمها التقييدات الدستورية الجديدة، وخطورة التغيير المتكرر للحكومات، وأخيراً ضعف المبررات طالما أنّ الرئيس وعد بإنهاء موضوع قانون الانتخاب في شهر نيسان القادم، ما يعني ضمنياً حل البرلمان وتكليف حكومة جديدة. التحدي هو أن يسبق المسار السياسي المسار الاقتصادي والاجتماعي المتفلت والأكثر خطورة، بعد أن كشف عن وجهه خلال الأسابيع الأخيرة.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة تصنيف محمد ابو رمان جريدة الغد