لمرة الثانية خلال أيام قليلة، يوجه الملك رسالة واضحة تستبطن قلقه من انتشار ظاهرة العنف في الجامعات الأردنية، سواء في لقائه مع رؤساء اتحادات طلبة الجامعات والمسؤولين الإداريين (عمداء شؤون الطلبة)، أو زيارته أمس إلى جامعة اليرموك. وهو ما تقاطع قبل ذلك مع لقائه شخصيات معنية بمناقشة انتشار ظاهرة العنف الاجتماعي.
تحدّث الملك في "اليرموك" عن مسؤولية الطلبة السياسية التي تبدأ بـ"مشاركة واعية في انتخابات طلابية على أسس تقدمية". وطالب الطلبة بنشر ثقافة الرأي والرأي الآخر، وربط ذلك بترسيخ مسؤولية الجامعات في الحياة المدنية، وتعزيز حضورها في الحياة السياسية، وتحضير الطلبة لحل المشكلات ومواجهة التحديات الحقيقية.
ما نأمله هو أن تكون هذه الرسالة الصريحة قد وصلت إلى الطلبة، وهي تقع في الاتجاه المعاكس تماماً لثقافة مقلقة وخطرة تغزو الجامعات اليوم وتقف وراء العنف الاجتماعي وترتبط بصعود الهويات الفرعية من جهة، والتجييش السياسي، من جهة أخرى، ضد المعارضة على أسس إقليمية وبدائية، والتشكيك بهذه المعارضة والأحزاب السياسية -وكأنّ الولاء هو نقيض الإصلاح والتعددية والتغيير- وإجراء الانتخابات الطلابية بقوانين تعزز هذه الانتماءات في استنساخ للمنظور الأمني الذي أدار الحياة السياسية في السنوات الماضية.
ما نأمله أكثر أن تصل الرسالة قبل الطلبة إلى المسؤولين في الجامعات (أولاً)، والمسؤولين الرسميين المعنيين بشؤون الجامعات، أو بعبارة أدق الذين يعتقدون أنّهم "أوصياء" على الجامعات (ثانياً). وللتذكير، هذه الرسالة ليست الأولى، فقد سبقتها في العام الماضي رسالة صريحة أخرى تطالب الأجهزة الأمنية بعدم التدخل في شؤون الجامعات. ووجه الغرابة في مقابلات الملك أنّ عمداء شؤون الطلبة كانوا حاضرين وتحدثوا مثل غيرهم عن كيفية مواجهة العنف الجامعي، وكأنّهم ليسوا في موقع المسؤولية ولا مسؤولين عن التراجع المرعب في الأنشطة الطلابية الإيجابية في الفكر والحوار خلال السنوات الماضية، وعن قبول التدخلات الخارجية في تحجيم حريات الطلبة، بل وعن العقوبات التي صدرت بحق طلبة في جامعات حكومية وخاصة لممارستهم أنشطة سياسية مرتبطة بالواقع الراهن!
الحلقة المفقود تكمن في أن المسؤولين في الجامعات، في أغلبيتهم، غير قادرين على الإمساك بروح المبادرة وإحداث اختراق نوعي في وضع جامعاتهم، ونقلها من المرحلة المترهلة المقلقة الحالية إلى أخرى مختلفة، أو على الأقل وضعها على "السكّة" الصحيحة؛ فما يحدث هو إما عجز في القيادات الإدارية الجامعية أو فقدان الأهلية للقيام بـ"خطة الإنقاذ" المطلوبة للجامعات. بل إنّ أغلب القيادات الجامعية اليوم تكتفي بالتبرم والشكوى والتذمر من الأوضاع المالية، وهم محقون طبعاً، ومن الترهل والضغوط الشديدة والتركة الثقيلة التي ورثوها من المرحلة السابقة، لكنهم عملياً يساهمون بهذا المنطق في تجذير أزمة الجامعات وتضخيم حجم التركة، وفي نهاية اليوم يصبحون جزءاً من المشكلة وليس الحل. 
أمّا المسؤولون الرسميون، فإنّ المطلوب منهم بكلمة واحدة فقط: رفع اليد عن الجامعات والخروج منها، فليسوا أكثر ولاءً من أساتذة العلم والفكر والأدب، وليسوا مؤهلين ولا قادرين على توجيه معاقل العلم والتنوير، إذ لم تؤدّ السياسات الرسمية والتدخلات والوصاية في العقدين الأخيرين إلاّ إلى جرّ الويلات والكوارث على الجامعات. إنقاذ الجامعات يقتضي استقلاليتها، وتلك لا تكون إلاّ باختيار القيادات الأكاديمية المؤهلة والجريئة وفتح المجال لها للعمل والإصلاح، وإجراء الجراحات القاسية المطلوبة لتنفيذ المهمة. 
أخيراً؛ هل المشكلة في الجامعات فقط، لماذا لم نسمع عن مبادرات من النخبة السياسية والمسؤولين قبل لقاءات الملك لمواجهة عنف المجتمع والجامعات، أليسوا قلقين من هذا الخراب؟

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  تصنيف محمد ابو رمان   جريدة الغد