اختار محمد داودية، سفيرنا في أندونيسيا والوزير السابق والمثقف المعروف، صديقه أبا شاهر (وزير الداخلية السابق مازن الساكت) لتمرير رسالته عبره إلى مطبخ القرار والرأي العام، والمسؤولين جميعاً الذين استسلموا لخيار"العودة إلى العصا" في الأيام الماضية، ولم يكتفوا باعتقال الشباب وسحلهم وضربهم على الدوار الرابع، بل وممارسة صنوف التعذيب والإذلال لهم في المركز الأمني، وهنالك شهادات أخرى لا تقل سوءا عن هذه الشهادة!
ربما أخذت رسالة محمد داودية صدىً واسعاً لدى الرأي العام وفي الأوساط السياسية، لشخصيته المعروفة من جهة، ولأنّها ذات طابع عاطفي من مسؤول في موقع المسؤولية يتحدث عن إهانة لحقت بابنه. إلا أنّ ما يؤكد هذه الرسالة، وربما يتجاوزها في استخدام اللغة القاسية والحديث الصريح عما حدث، هو تقرير مؤسسة "هيومان رايتس وتش"، الذي تحدث عن التعذيب والإهانة التي تعرّض لها المعتقلون، وطالب بالإفراج عنهم ورفض تحويلهم إلى محكمة أمن الدولة.
هنالك بالفعل ما يحتاج إلى تفسير في المشهد السياسي، إذ كنا قد بدأنا قبل أيام نشعر بأننا وضعنا أقدامنا على الطريق الصحيحة، عبر إقرار حزمة التشريعات القانونية، والتسريبات التي تحدثت عن قانون انتخاب يلبي الحد الأدنى من مطالب القوى السياسية، وإشارات بالإفراج عن معتقلي الطفيلة؛ فإذا بالأمور تقلب رأساً على عقب في اليوم التالي؛ بتفريق اعتصام الدوار الرابع، والحديث عن التعذيب بحق المعتقلين والإهانات التي تعرضوا لها، والتسريبات الجديدة عن صيغة مختلفة لقانون الانتخاب مخيبة للأمل، وتبخرت الآمال سريعاً بتجاوز الأزمة الراهنة، وعاد الاحتقان والقلق إلى الشارع. بالرغم من أنّني لا أؤمن أنّ هنالك طرفا ما يسعى إلى التأزيم المتعمد أو من مصلحته ذلك، إلاّ أنّ هناك من يقوم فعلاً، عبر رهاناته وخياراته المعتمدة، باستدراجنا إلى الأزمات وإلى إعادة تدوير الشكوك وتعزيزها في مصداقية الدولة في الإصلاح والتغيير! إذ كان بالإمكان تمرير ارتفاع سقف الشعارات والهتافات في هذه اللحظة الحرجة والتعايش معها إلى حين إجراء انتخابات نيابية جديدة تعيد تشكيل المرحلة بأسرها، فكنا في غنى عن الوقوع في الأزمة المربكة الحالية.
ما يحدث اليوم خطر جداً، وهو دخول في رهانات تعيدنا إلى المربع الأول، وتجدّد طرح أسئلة جوهرية على مشروع الإصلاح السياسي: فكيف يمكن تبرير تحويل هؤلاء الأشخاص إلى محكمة أمن الدولة بعد أن أجرينا تعديلات دستورية تحصر مهمات المحكمة وتؤطرها إلى أصغر مدى ضروري؛ فأي مصداقية لهذه التعديلات؟! وكيف يمكن الثقة بالدولة وهي تحوّل الناس إلى القضاء بتهمة التجمهر غير المشروع، بعد تعديل قانون الاجتماعات العامة، وإزالة القيود على حرية التعبير والتجمع؟!
كيف سنثق بنوايا الإصلاح ونحن نرى كيف نعود مرّة أخرى إلى تكييف قانون الانتخاب مع الفزّاعات التقليدية، فما الداعي لانتخابات مبكّرة إذا كان هذا القانون هو الذي سيحكمها، وما دام أن القوى السياسية سترفضه، ولن تختلف نوعية النواب القادمين عما في "العلبة الحالية"؟!
رسالة محمد داودية تتجاوز ما حدث مع ابنه لتفتح الباب على أسئلة ونقاشات أوسع لدى دوائر القرار والرهانات التي بدأت تعود إلى السطح مؤخراً، إذ تطرح الشكوك حول مشروع الإصلاح ومصداقيته في الأساس، فهل نهوى الدوران حول أنفسنا وتدوير أزماتنا، هل الوقت معنا أم ضدنا؟!

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  تصنيف محمد ابو رمان   جريدة الغد